فهرس الكتاب
التناسق بين الأجزاء والتوافق في التركيب، وبمثل هذه النظرة ينبغي دراسة كل سورة من سور القرآن الكريم لنقدر أبعادها الحقيقية.
ورأى من خلال دراسته التطبيقية لبعض السور المكية والمدنية أن هناك تخطيطا حقيقيا واضحا ومحددا يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة (1) .
وقد علّل الأستاذ محمد حسين فضل الله سرّ توزيع العناصر في السورة الواحدة، والتي تشكل في النهاية وحدة واحدة - وتعدّ طريقة القرآن في تأليف السور أفضل أسلوب تربوي ينبغي مراعاته من قبل القائمين على شؤون التربية الإسنانية، فقال:
«إن القرآن كتاب رسالة يتجه إلى بناء الشخصية الإنسانية على أساس مفاهيمهما الأساسية، وليس كتابا تقليديا يتحرك في اتجاه تحليل فكرة معينة بطريقة موضوعية تحاول أن ترصد الموضوع من جميع جوانبه، كما لو كان شيئا مستقلا بنفسه بعيدا عن أي تأثير قريب أو بعيد بالواقع الداخلي للإنسان. وفي ضوء ذلك، نجد القرآن يثير في السورة الواحدة عدة مواضيع متنوعة تختلف في طبيعتها، وفي مواقعها وعلاقاتها بالأشياء، فلا تشعر بوجود وحدة موضوعية تجمع هذه المواضيع في نظاق موضوعي واحد. لأن ذلك ليس هو المشكلة في القضية، بل القضية هي أن هناك جانبا إنسانيا يراد معالجته في عملية صنع الشخصية، الأمر الذي يفرض علينا التحرك في عدة اتجاهات، ومواجهة عدة قضايا. فبينما تجد السورة متجهة إلى الحديث عن جهة، تجدها تنتقل لتتحدث عن جهة أخرى لتتكامل منها قصة الإنسان. وهذا ما تلاحظه في سورة المنافقون، فقد تحدثت في البداية حديثا مفصلا عن ملامح المنافقين في سلوكهم الداخلي والخارجي، ثم انتقلت للحديث عن توجيه المؤمنين إلى أن لا يلتهوا بأموالهم وأولادهم عن ذكر الله، وتلتفت بعد ذلك إلى الأمر بالإنفاق باعتباره الفرصة التي قد لا تحصل، لأن الموت قد يأتي للإنسان من دون أن يحصل على مكاسب هذه الفرصة. وإذا جاء الموت فلا مجال للعودة إلى الحياة من جديد. فما الذي يربط بين هذه الموضوعات، ربما يبدو أن السورة تفتقر إلى الوحدة الموضوعية، ولكن التدقيق في القضية يوحي إلينا بأن قصة النفاق ترتبط بالخلفيات الإنسانية المتعلقة بالأموال والأولاد بالمستوى الذي ينسى الإنسان معها ربه، مما يؤدي إلى أن ينحرف عن الخط من أجل تلبية مطالبه الأساسية، ولذلك كان لا بد من لمسة روحية في هذا الاتجاه، ولمسة أخرى في اتجاه تحريره من الاختناق بحب المال بالانطلاق في مجال الإنفاق على أساس المصير الحاسم في قصة الحياة
(1) محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم (1984) ، دار القلم، الكويت، انظر ص 118 - 119.