فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 166

المطلقة؛ فالباحث سيتتبع المعنى واللفظ معا لحصر آيات ذلك الموضوع؛ بينما النظر إلى السورة كلها، ومحاولة اكتشاف موضوعها عمل يتمَّز بالدقة من حيث تعامله مع آيات محددة في وحدة قرآنية ثبتت توقيفا.

على أن الدكتور عبد الستار قال في القسم الوسيط من التفسير الموضوعي: هو الذي يختار فيه المفسر موضوعا يعرضه من خلال سورة واحدة، مثل: العقيدة في سورة الشورى، أو من خلال مجموعة سور؛ كآل حم السبعة، أو من خلال القرآن الكريم كله (1) . فهو يرى ويجيز دراسة موضوع معيّن في سورة ما، ثم يرفض الإقرار بأن السورة مشتملة على موضوع كلي. وهذه تجزيئية في فهم سور القرآن الكريم، لأن الباحث حينما يدرس موضوعا جزئيا من خلال سورة ما، فإنه سيفصل هذا الموضوع عن سياقه وملابساته وأحوال وفترة نزوله، والمرحلة التي نزل فيها. وحبذا لو اقتصر الباحثون في دراستهم لموضوع العقيدة على فروع معينة من باب العقيدة لكان أدق وأولى، لأن موضوع العقيدة شامل وعام إلى حد كبير.

يقول د. محمد عبد الله دراز - رحمه الله: «ينبغي أن نركز على نقطة غفل عنها جميع المستشرقين فضلا عن بعض علماء المسلمين، وهي طريقة القرآن الكريم في معالجة أكثر من موضوع في السورة الواحدة. فعندما لاحظ بعضهم بنظرته السطحية عدم التجانس والربط الطبيعي بين المواد التي تتناولها السورة، لم ير القرآن إلا أشتاتا من الأفكار المتنوعة عولجت بطريقة غير منظمة، وبدون أي ربط منطقي بينها، بينما رأى البعض الآخر أن علة هذا التشتيت المزعوم ترجع إلى الحاجة إلى تخفيف الملل الناتج من رتابة الأسلوب، والحزن المترتب على تكرار النغمة مما يتنافى مع المثالية في الأسلوب العربي، وهناك فريق آخر لم ير في الوحدة الأدبية لكل سورة - وهو ما يستحيل نقله إلى أية ترجمة - إلا نوعا من التعويض لهذا النقص الجوهري في وحدة المعنى. وفريق آخر يضم غالبية المستشرقين رأى - وهو يهدف إلى تبرئة الرسول الذي قدم كل سورة من القرآن على شكل وحدة مستقلة - إن هذا العيب يرجع إلى الصحابة الذين جمعوا القرآن، وقاموا بهذا الخلط عندما جمعوا أجزاءه ورتبوها على شكل سور» .

وبعد أن ذكر أن هذه المسوغات غير صالحة ولا يعوّل عليها في شيء، ذكر أن تقدير لوحة فنية لا يتم من خلال النظر إلى جزء ضيق منها، لأننا لن نجد غير ألوان متنوعة تتجاور أو تتنافر، فيجب علينا أن نرجع إلى الوراء ليتسع مجال الرؤية، ونحيط بالكل في نظرة شاملة، نستطيع أن تلاحظ

(1) المصدر نفسه، ص 26 - 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت