وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [النمل: 49 - 53] .
هذا ما أضمره قوم ثمود لنبيّهم صالح - عليه السلام - وهذه هي عاقبة قوم ثمود، فقد مكروا له في ظلمة الليل، وظنوا الأمر سهلا ميسورا قريب المنال، وغاب عنهم أن الله يحفظ رسله وأولياءه، فباتوا يمكرون ويخططون ويدبرون، الله بهم عليم محيط، وكانت العاقبة أن دمّرهم تدميرا، وأصبحوا خبرا بعد عين، وذهب معهم كل من ساندهم ووافقهم ولو عاطفة وشعورا، أو فكرا وروحا، فلما تواطأت كلمتهم، واجتمعت قوتهم، أخذوا جميعا أخذ عزيز مقتدر، ونجّى الله المؤمنين الصادقين، ونجى بهم المنهج الرباني الذي يحملون، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] . وقد ظل أثرهم شاهدا عليهم، حاضرا في ذهن السامعين: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52] . وسنة الأمس تتحقق اليوم، ولكن على صور أخرى عديدة! إن الدمار قد يأتي على الناس بأشكال كثيرة، بزلازل أو براكين، بعواصف أو أعاصير، بخسف أو بمسخ، بمطر أو فيضانات، بجفاف أو بقحط أو بجدب، بأمراض تفتك بالناس، ... كل أولئك صور من صور الدمار.
وينذرهم القرآن بأن مكرهم الذي يمكرون سيرجع وباله عليهم من حيث لا يشعرون، ولقد أكّد القرآن في آيات عديدة على هذا المعنى: {يُصِيبُهُم الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} . وهذا يوضح أن سبب عدم شعورهم تفسيرهم للوقائع والأحداث تفسيرا ماديا بعيدا عن السنن الإلهية، وإرجاعها إلى أسباب مادية من حيث يعلمون أو لا يعلمون، كما كان يفعل الجاهليون الأوائل في قولهم - على سبيل المثال - مطرنا بنوء كذا!
وكذلك قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا. اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 42 - 43] .
ومن هنا ندرك أهمية التوجيهات القرآنية في دراسة السنن الإلهية وأثرها في حياة الأمم والمجتمعات، {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43] .