الوجوه الإفراد، ثم التمتع، ثم القران [1] .
وقال في اختلاف الأحاديث: التمتع أفضل من الإفراد [2] . وبه قال مالك [3] .
وقال أبو حنيفة: القران أفضل، ثم الإفراد، ثم التمتع [4] .
وقال أبو يوسف [5] ،
ومحمد [6] : القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد [7] .
ونحن إنما قدمنا الإفراد، والتمتع على القران؛ لأن المفرد، والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكماله، والقارن يقتصر على أعمال الحج فكان الإتيان بالكمال أفضل [8] .
وصورة الإفراد: أن يحج، ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يحج في تلك السنة [9] .
وصورة القران: أن يحرم بالحج والعمرة معًا في أشهر الحج؛ بأن ينويهما بقلبه. وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم قبل الطواف أدخل عليها الحج يصير قارنًا؛ لما روي أن عائشة]- رضي الله عنها - [أحرمت بالعمرة فحاضت فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أهلي بالحج، واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ) )[10] .
ولو أدخل عليها الحج بعد الطواف لم يدخل لأربع معانٍ: أحدهم: لأنه أتى بعمل
(1) هذ الترتيب في الأفضلية هو الصحيح المشهور في المذهب ونص عليه الشافعي في معظم كتبه. وفي المذهب ثلاثة أقوال أخرى:
الأول: أن الأفضل التمتع، ثم الإفراد، ثم القران.
الثاني: أن الإفراد أفضل، ثم القران، ثم التمتع. ونسب إلى نص الشافعي في أحكام القرآن. و قد بحثت عن هذا النص فلم أجده في أحكام القرآن المطبوع، في مظانه.
الثالث: أن القران مقدم على الإفراد، والتمتع. وهو اختيار المزني، وابن المنذر، وأبي إسحاق المروزي.
انظر: الأم (3/ 524، 572) . مختصر المزني (1/ 62) ، المهذب (1/ 200) ، نهاية المطلب (4/ 190) ، الحاوي (4/ 44) ، العزيز شرح الوجيز (3/ 324) ، المحموع (7/ 120) .
(2) ذكر إمام الحرمين، والرافعي، والنووي أن الشافعي نص عليه في اختلاف الأحاديث. ولا يبدو لي أن هذا التعبير منهم كان دقيقًا، فنص الشافعي في اختلاف الحديث: ( ... من فعل شيئًا مما قيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله كان له واسعًا؛ لأن الكتاب، ثم السنة، ثم ما لا أعلم فيه خلافًا يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج، وإفراد الحج، والقران واسع كله .. ومن قال: أفرد النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج. يشبه أن يكون قاله على ما يعرف من أهل العلم الذين أدرك - دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أحدا لا يكون مقيمًا على حج إلا وقد ابتدأ إحرامه بحج) . والعبارة لا يبدو لي فيها تفضيل نسك على نسك، وسياق كلام الشافعي لم يكن في المفاضلة بين الأنساك، وإنما كان في سياق بيان جواز هذه الأنساك الثلاثة، ولذا لا ينبغي أن تعارض بنصوصه الصريحة في تفضيل الإفراد على التمتع. وقد كانت عبارة البغوي في تفسيره أدق حين قال: ومال الشافعي في اختلاف الحديث إلى التمتع. انظر: تفسير البغوي (1/ 220) ، الأم (10/ 321) ، نهاية المطلب (4/ 190) ، الحاوي (4/ 48) ، العزيز شرح الوجيز (3/ 343) ، المجموع (7/ 120) .
(3) المعتمد في المذهب المالكي تفضيل: الإفراد، ثم القران، ثم التمتع. انظر: المدونة (1/ 294) ، مواهب الجليل ... (3/ 49) ، التاج والإكليل (4/ 69) . وتفضيل التمتع، ثم الإفراد، ثم القران اختيار اللخمي من المالكية، وهو مذهب الحنابلة انظر: الفروع (3/ 298) ، الإنصاف (3/ 434) .
(4) انظر: المبسوط (4/ 25) ، بدائع الصنائع (2/ 176) .
(5) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري أبو يوسف، قاضي القضاة، أخذ الفقه عن الإمام أبي حنيفة، وهو المقدم من أصحابه، وولى القضاء لثلاثة خلفاء المهدي، والهادي، والرشيد، من مصنفاته: الخراج، والآثار، والنوادر، و اختلاف الأمصار، وأدب القاضي. مات ببغداد سنة اثنتين وثمانين ومائة. انظر: طبقات الحنفية (2/ 220) ، سير أعلام النبلاء (8/ 535) .
(6) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة وناشر مذهبه. ولي قضاء الرقة للرشيد، ثم قضاء الري وبها مات سنة تسع وثمانين ومائة، من مصنفاته: المبسوط، والزيادات، والجامع الكبير، والسير. انظر: طبقات الحنفية (2/ 42) ، سير أعلام النبلاء (9/ 134) .
(7) وعليه المذهب. انظر: المبسوط (4/ 25) ، بدائع الصنائع (2/ 176) ، فتح القدير (3/ 3) .
(8) ذكر في فتح القدير: أن سبب الخلاف بين الحنفية والشافعية في تقديم الحنفية للقران على الإفراد، وتأخير الشافعية له، هو الاختلاف في صورة القران فعند الحنفية لا بد للقارن من طوافين وسعيين، وعند الشافعية طواف واحد وسعي واحد. انظر: فتح القدير (2/ 525) .
(9) انظر: نهاية المطلب: (4/ 168) ، العزيز شرح الوجيز (3/ 344) .
(10) حديث عائشة أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما بألفاظ مقاربة. فأخرجه البخاري برقم (1567) كتاب الحج، باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وإذا سعى على غير وضوء بين الصفا والمروة (2/ 594) ولفظه: ( ... قال: افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) . ومسلم في صحيحه برقم (1211) كتاب الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع، والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة ... (2/ 873) .