فإن سترت المرأة وجهها - وإن قل - يجب عليها الفدية، كالرجل يستر رأسه. حتى لو تعصب بعصابة يلزمه الفدية صغيرةً كانت العصابة، أو كبيرة، رجلًا كان، أو امرأة؛ لأن الرجل يستر بعض رأسه بالعصابة، والمرأة تستر بعض وجهها. أما إذا تعصبت بخيط فلا تجب الفدية؛ لأنه ليس يستره [1] .
وعند أبي حنيفة: إذا سترت أقل من ربع العضو لا تجب الفدية [2] .
والخنثى المشكل إذا غطّا رأسه لا فدية عليه؛ لاحتمال أنه امرأة، وإذا غطّاهما تجب عليه الفدية [3] .
فإن احتاجت المرأة إلى ستر الوجه لحرٍ، أو بردٍ، أو منعٍ للأبصار عنها خوفًا من الفتنة، تسدل ثوبًا على وجهها متجافيًا عنه بخشبة بحيث لا يمس وجهها [4] . روي عن عائشة]- رضي الله عنها - [قالت: (( كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه ) )[5] . فلو فعلت ذلك من غير حاجة جاز. ولو وقعت الخشبة
(1) انظر: نهاية المطلب (4/ 243) ، المجموع (7/ 228) .
(2) وفيه صدقة: نصف صاع من البر، أو صاغ من غيره. انظر: المبسوط (4/ 128) ، حاشية ابن عابدين ... (2/ 549) . وذهب المالكية: إلى تحديد القدر الذي يجب بتغطيته بقدر الدرهم. وذهب الحنابلة: إلى أنه لو غطاه ولو بعصابة أو سير يشده عليه ففيه الفدية. انظر: التاج والإكليل (4/ 212) ، شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 349) ، المغني (3/ 152) ، الإنصاف (3/ 461) .
(3) انظر: المجموع (7/ 243) ، أسنى المطالب (1/ 506) .
(4) انظر: الأم: (3/ 370) ، مختصر المزني (1/ 65) .
(5) لم أقف عليه بهذا اللفظ بتمامه، وأقرب الألفاظ إليه ما أخرجه أبو داود في سننه برقم (1833) ... كتاب المناسك، باب: المحرمة تغطي وجهها (2/ 167) وقال: (( فإذا حاذوا بنا ) )، وأحمد في المسند برقم (24067) (6/ 30) ، ولفظه (( فإذا حاذوا بنا أسدلت ) )والبيهقي في السنن الكبرى برقم (8833) كتاب الحج، باب: المحرمة تلبس الثوب من علو فيستر وجهها وتجافي عنه (5/ 48) وقال: (( فإذا جازوا بنا ) ). وأخرجه بألفاظ أخرى: ابن ماجة في سننه برقم (2935) كتاب المناسك، باب: المحرمة تسدل الثوب على وجهها (2/ 979) ، والدراقطني في سننه برقم (262) كتاب الحج، باب: المواقيت (2/ 295) ، وابن خزيمة في صحيحه برقم (2691) كتاب المناسك، باب: ذكر الخبر المفسر لهذه اللفظة التي حسبتها مجملة، والدليل على أن للمحرمة تغطية وجهها من غير انتقاب، ولا إمساس (4/ 203) ، وابن الجارود في المنتقى برقم (418) باب المناسك (1/ 111) . وقد أُعلّ الحديث بعلتين: الأولى: أنه من رواية مجاهد عن عائشة، وقد ذكر يحيى بن سعيد القطان، وابن معين: أنه لم يسمع منها. وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل. ولكن قد ثبت عند البخاري ومسلم في صحيحيهما سماع مجاهد عن عائشة فلا يلتفت إلى من نفاه. الثانية: ضعف «يزيد بن أبي زياد» . قال عنه ابن حجر في «التقريب» (1/ 601) : ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا. والحديث ضعف إسناده عدد من العلماء كالنووي في «المجموع» (7/ 226) ، والحافظ ابن حجر في «الفتح» (3/ 406) والأعظمي في تحقيقه «لصحيح ابن خزيمة» ، والألباني في «ضعيف سنن أبي داوود» ، و «ضعيف سنن ابن ماجة» ، ثم عاد وصححه في مشكاة المصابح (2/ 107) ، وحجاب المرأة المسلمة (50) ، لوجود شواهد تقويه منها: حديث فاطمة بنت المنذر أنها قالت: (( كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق ) )] أخرجه مالك برقم (718) كتاب الحج، باب تخمير المحرم وجهه (1/ 328) ، وابن خزيمة برقم (2690) كتاب المناسك، باب: إباحة تغطية المحرمة وجهها من الرجال (4/ 203) ، والحاكم برقم (1668) أول كتاب المناسك (1/ 624) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (2/ 212) [. وحديث عائشة قالت: (المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، إلا ثوبًا مسه ورس، أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت) .] أخرجه البيهقى في السنن الكبرى (8832) كتاب الحج، باب: المرأة لا تنتقب في إحرامها ولا تلبس القفازين. وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (12/ 881) [. وانظر: نصب الراية (3/ 49) ، تلخيص الحبير (2/ 272) .