وجهين بناء على المعنيين، إن قلنا المعنى فيهم السفر جاز، وإن قلنا النسك فلا يجوز.
أما القصر فلا يجوز لأهل مكة، ولا لمن جاء من أقل من مسافة القصر، ويجوز لمن جاء من مسافة القصر [1] .
فإن نوى مقام أربع بمكة أتم [2] . وقال الشافعي - رحمه الله - في الإملاء: إذا نوى مقام أربع بمكة، ثم نوى أن يخرج إلى منى، وعرفات ويقضي نسكه، ثم يعود إلى مكة وينصرف إلى بلده، فقد صار مسافرًا فله أن يقصر هناك [3] .
وعلى هذا قال أصحابنا: إذا دخل المسافر بلدًا ونوى إقامة أربع، ثم نوى أن يخرج إلى قرية لحاجة على أن ينصرف فيجعل ذلك البلد طريقًا ويرجع إلى بلده، فله أن يقصر إذا فارق هذه البلدة؛ لأن الإقامة قد زالت بنية السفر، والخروج [4] .
وقال مالك، والأوزاعي [5] : يجوز لأهل مكة، ومنى القصر مع أهل الآفاق [6] .
(1) انظر: البيان (4/ 312) ، المجموع (8/ 91) . وهو مذهب الحنفية، والحنابلة. انظر: البحر الرائق (2/ 632) ، حاشية ابن عابدين (2/ 505) ، المغني (3/ 207) ، الإنصاف (2/ 320) .
(2) هذه المسالة متصلة بحكم القصر في عرفة، ومزدلفة، ومراد المصنف: أن المسافر إذا قدم إلى مكة ونوى المقام فيها فقد انقطع حكم السفر في حقه، فإذا أنشأ سفرًا جديدًا إلى عرفة لم يجز له الترخص فيها، ووجب عليه الإتمام؛ لأن سفره من مكة إلى عرفة دون مسافة القصر، وسفره السابق من بلده إلى مكة قد انقطع حكمه بنية الإقامة في مكة أربعة أيام. انظر: نهاية المطلب (2/ 429) ، العزيز شرح الوجيز (2/ 213) ، المجموع (4/ 279) .
(3) انظر: المجموع (8/ 92) .
(4) انظر: بحر المذهب (5/ 182) .
(5) عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمِد الأوزاعى، أبو عمرو، إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة، وكان أهل الشام، والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك، وهو من تابعي التابعين. اشتهر بالفقه، والحديث، والشدة في الحق، والفصاحة، من مؤلفاته: كتاب السنن، وكتاب المسائل في الفقه، مات سنة سبع وخمسين ومائة. انظر: طبقات الحفاظ (1/ 134) ، معجم المؤلفين (5/ 163) .
(6) انظر: مواهب الجليل (3/ 120) ، بلغة السالك (2/ 54) ، موسوعة فقه عبدالرحمن الأوزاعي (305) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (24/ 11) (( أصح قولي العلماء: أن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة, ويقصرون بها وبمنى، وهذا قول عامة فقهاء الحجاز, كمالك, وابن عيينة, وهو قول إسحاق بن راهويه واختيار طائفة من أصحاب الشافعي, وأحمد, كأبي الخطاب في عباداته. وقد قيل: يجمعون ولا يقصرون , وهو قول أبي حنيفة, وهو المنصوص عن أحمد, وقيل: لا يقصرون, ولا يجمعون. كما يقوله من يقول من أصحاب الشافعي، وأحمد, وهو أضعف الأقوال. والصواب المقطوع به أن أهل مكة يقصرون, ويجمعون هناك, كما كانوا يفعلون هناك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه, ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه قال لهم هناك أتموا صلاتكم , فإنا قوم سفر، ولكن نقل أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم داخل مكة, وكذلك كان عمر يأمر أهل مكة بالإتمام إذا صلى بهم في البلد , وأما بمنى فلم يكن يأمرهم بذلك ) ).