ويبيتون بالمزدلفة ليلة النحر حتى يطلع الفجر، فيصلون الصبح بغلس [1] ، والتغليس بالفجر هاهنا أشد استحبابًا منه في غيرها، وهو متفق عليه [2] .
فلو ترك هذه البيتوتة، أو نفر قبل انتصاف الليل فعليه دم شاة وجوبًا في الجديد [3] ، واستحبابًا في القديم.
فلو عاد قبل طلوع الفجر سقط عنه الدم.
ولو نفر بعد انتصاف الليل يجوز، ولا دم عليه معذورًا كان، أو غير معذور [4] .
(1) (الغلس) ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. و المراد (بالتغليس) هنا: أن يصلى عقب تحقق دخول الفجر فورًا. انظر: لسان العرب (6/ 156) ، حاشية البيجرمي (2/ 133) .
(2) ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب التغليس في الفجر عمومًا، وخالفهم في ذلك الحنفية فاستحبوا الإسفار بها إلا في فجر مزدلة فقد وافقوا الجمهور لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: (( ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها ) ).] صحيح البخاري برقم (1598) كتاب الحج، باب: متى يصلي الفجر بجمع صلاة الفجر بمزدلفة (2/ 604) ، مسلم برقم (1289) كتاب الحج، باب: استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر بالمزدلفة والمبالغة فيه بعد تحقق طلوع الفجر (2/ 938) [. وانظر: المبسوط (4/ 19) ، التاج والإكليل (4/ 177) ، الأم (3/ 459) ، المغني (3/ 214) .
(3) نص عليه الشافعي في الأم، وهو الأصح في المذهب، بناءً على أن المبيت بمزدلفة واجب، وقال في الإملاء: المبيت بمزدلفة سنة، ورجحه الرافعي. وذهب بعض الشافعية إلى أنه: ركن لا يصح الحج بدونه، كالوقوف بعرفة. قاله: أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي، وأبو بكر بن خزيمة. انظر: الأم (3/ 549) ، العزيز شرح الوجيز ... (3/ 422) ، المجموع (8/ 122) .
(4) نص الشافعي في «الأم» (3/ 549) على أن المقدار الواجب من المبيت: ساعة من النصف الثاني من الليل إلى طلوع الفجر. وبه قطع جمهور الشافعية. ويجزء فيه مجرد المرور ولو لحظة كالوقوف بعرفة. وفي المذهب قول ضعيف: أنه يجزئه ساعة من النصف الثاني من الليل إلى طلوع الشمس. وجزم الماوردي: بأنه يشترط بقائه معظم الليل. والصحيح ما نص عليه الشافعي. انظر: البيان (4/ 325) ، الحاوي (4/ 178) ، المجموع (8/ 122) ، تحفة المحتاج (4/ 113) . وهو مذهب الحنابلة. انظر: المغني (3/ 214) ، الإنصاف (4/ 32) . وذهب المالكية: إلى أن البيتوتة بمزدلفة سنة، والواجب هو النزول والمكث بها - في أي جزء من الليل إلى طلوع الفجر - بقدر إناخة الدواب، وحط الرحال، سواء حط الرحال فعلًا، أم لم يحطها، فإن تركه بعذر فلا شيء عليه، وإن كان بغير عذر فعليه دم. انظر: التاج والإكليل (4/ 169) ، شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 332) .