وعند مالك، وأبي حنيفة: أداؤه على الفور، ولا يجوز تأخيره عن أول سنة الإمكان [1] .
فإن كان يخشى على نفسه الزمانة هل له التأخير؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك كما لو لم يخش.
والثاني: لا يجوز، ويكون عاصيًا [2] ؛ لأنه يؤخره والظاهر أنه لا يمكنه أن يحج.
وإذا أخر بعد إمكان الأداء يموت عاصيًا [3] ؛ لأن التأخير مباح له بشرط السلامة. وقال أبو ثور [4] : لا يموت عاصيًا؛ بل يكون مفرطًا، وهو قول أبي إسحاق المروزي [5] .
وقيل: إن كان شابًا لم يكن عاصيًا، وإن كان شيخًا كان عاصيًا.
وإن قلنا: يموت عاصيًا، فمن أي وقت يحكم بعصيانه؟ فيه وجهان [6] :
(1) انظر: المبسوط (4/ 164) ، بدائع الصنائع (2/ 125) ، التاج والإكليل (3/ 413) ، حاشية العدوي ... (1/ 517) . وهو مذهب الحنابلة، وقول المزني من الشافعية. انظر: الحاوي (4/ 24) ، المغني (4/ 164) ، الفروع (3/ 242) .
(2) وهو أصح الوجهين. انظر: العزيز شرح الوجيز (3/ 295) ، روضة الطالبين (3/ 33) .
(3) وهو الصحيح. انظر: نهاية المطلب (4/ 161) ، العزيز شرع الوجيز (3/ 296) .
(4) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور الكلبي الفقيه البغدادي، ويقال كنيته أبو عبد الله، وأبو ثور لقب. قال أبو حاتم: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا، وعلمًا، وورعًا، وفضلًا، وديانةً، وخيرًا، ممن صنف الكتب وفرّع على السنن. تفقه بمدرسة الرأي ثم صحب الشافعي ورجع عن مذهبه إلى الحديث، وهو معدود من أئمة الفقهاء المجتهدين. مات سنة أربع وعشرين ومائتين للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء (12/ 72) ، طبقات الشافعية الكبرى ... (2/ 74) .
(5) هو إبراهيم بن أحمد، أبو إسحاق المروزي، أحد أئمة المذهب، أخذ الفقه عن عبدان المروزي، وابن سريج، والإصطخري، وانتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه. أقام ببغداد مدة طويلة، ثم خرج إلى مصر ومات بها سنة أربعين وثلاثمائة. من مصنفاته: شرح المختصر، وكتاب التوسط بين الشافعي والمزني. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/ 105) ، سير أعلام النبلاء (15/ 429) .
(6) قال إمام الحرمين معلقًا على الوجهين: والوجهان عندنا لا حاصل لهما، فلا تقبض المعصية ولا تنبسط، والوجه القطع بأنه مات عاصيًا ولقي الله تعالى على صفة العصيان، ولا معنى لإضافة العصيان إلى زمان، وهذا هو الذي اختاره الصيدلاني في كتابه. نهاية المطلب (4/ 162) .