وقد تفحَّصتُ كتاب أبي عبيدةَ (ت:210) ، فلمْ أجدْ فيه شيئًا من هذه العقائدِ، فهل كانَ يتَّقي المجاهرةَ بذلكَ، كما وردت الرِّوايةُ عن تلميذه التَّوَّزيِّ [1] ، قال: «دخلتُ على أبي عبيدة، وهو جالسٌ في مجلسِ مسجدِهِ وحده، ينكتُ في الأرضِ، فرفع رأسه إليَّ، وقال: من القائلُ [2] :
أقُولُ لَهَا ـ وقَدْ جَشَأتْ وَجَشَاتْ ... مِنَ الأطْمَاعِ ـ: وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي
فَإِنَّكِ لَو سَأَلْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ، ... عَلَى الأجَلِ الَّذي لَكِ لَنْ تُطَاعِي
فقلتُ: قُطْريُّ بنُ الفُجَاءة الخارجيُّ [3] .
قال: فضَّ اللهُ فاكَ، هلاَّ قُلتَ: لأميرِ المؤمنينَ أبي نعامةَ. قال لي: اجلسْ، واكتُمْ عليَّ ما سَمِعتَ مِنِّي.
قال: فما ذكرتُه حتَّى ماتَ» [4] . واللهُ أعلمُ.
فإن صحَّتْ هذه الروايةُ، فإنها تدلُّ على إبطانه لمعتقدِ الخوارجِ، ولذا لم يظهرْ في كتابِه ما يدلُّ على اعتقادِه مذهبَهم، واللهُ أعلم.
أمَّا تُهْمةُ الاعتزالِ، فيقول عنها الخُشَنِيُّ [5] : «كان أبو عبيدةَ مُسَّ ببعضِ
(1) عبد الله بن محمد بن هارون، أبو محمد التَّوَّزِيُّ، قرأ كتاب سيبويه على الجرميِّ، وأخذ عن أبي عبيدة والأصمعيِّ، له كتاب الأضداد وغيره، توفي سنة (230) ، ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص:95 - 97) ، إنباه الرواة (2:126) .
(2) الأبيات من مشهور شعره، وهي في مصادرَ كثيرةٍ، منها: شعراء الخوارج، تحقيق: إحسان عباس (ص:42 - 43) ، وأمالي الشريف المرتضى (1:636) ، وسمط اللآلي (1:575) .
(3) قُطْرِيُّ بنُ الفُجَاءَةِ من بني مازن، أبو نعامة، من قادة الخوارجِ الأزارقة، خرج زمن ولايةِ مصعب بن الزبيرِ للعراقِ، قتل في طبرستان سنة (78) ، وقيل غيرها. ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:374 - 375) ، ومعجم الشعراء (ص:215) .
(4) مراتبُ النَّحويين (ص:78 - 79) . وينظره في أمالي الشريف المرتضى (1:636) .
(5) محمد بن عبد السلام الخُشَني، من أهل جيَّان، رحل إلى المشرق، ولقي المازنيَّ =