فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 714

وقدْ خبَّرَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ عنْ أنبيائِهِ بالمعاصي التي غفرَهَا وتجاوزَ عنهم فيها، فقالَ تباركَ وتعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ، وقال لِنَبِيِّه محمدٍ عليه السلام: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 1 - 3] ، وخبَّر بمثلِ هذا عنْ يُونُسَ وَدَاوُدَ عليهما السلام، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما من نبي إلاَّ قد عصى الله، إلاَّ يحيى بن زكريا [1] .

وقال أبو عبيدٍ: قال الحسنُ: إنَّ الله جلَّ وعزَّ لم يقصصْ عليكم ذنوبَ الأنبياء تعييرًا منه لهم، ولكنه قصَّها عليكم لئلا تقنطوا من رحمتِه.

قال أبو عبيدٍ: يذهبُ الحسنُ إلى أنَّ الحُجَجَ من اللهِ جلَّ وعزَّ على أنبيائه أوكدُ، ولهم ألزمُ، فإذا قَبِلَ التوبةَ منهم، كان إلى قبولِها منكم أسرعُ.

وإلى مذهبِنا هذا كان يذهبُ علماءِ اللُّغةِ: الفرَّاءُ، وأبو عبيدٍ، وغيرُهما» [2] .

ثانيًا: إنْ لم يُسْعِفْهُمْ في اللَّفظِ تعدُّدُ استعمالِه، عَمَدُوا إلى تفسيرِه

(1) أخرج هذا الأثر جماعة من أهل العلم، منهم: الطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (6:377، 378) ، وابن أبي حاتم في تفسيره، تحقيق: أسعد الطيب (2:643) ، وقال ابن كثير ـ بعد ذكر الأثر عن عبد الله بن عمرو ـ: «فهذا موقوف، وهو أقوى إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله سبحانه وتعالى أعلم» . تفسير القرآن العظيم، تحقيق: السلامة (2:38) .

(2) الأضداد، لابن الأنباري (ص:412 - 414) .

وينظر: الوسيط، للواحدي (2:608) ، فقد نقل كلام ابن الأنباري، وفيه عبارات أخرى، ولعل الواحديَّ نقل عنه من غير كتاب الأضداد؛ ككتابه في مشكل القرآن الذي ردَّ به على كتاب ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، والله أعلم.

والعجيب أنَّ محققي تفسير الواحدي ردُّوا الوارد عن السلف وجعلوه من الباطل الذي يجب تنْزيه الكتب منه، وأنه من الرفث، ولم يقدموا برهانًا علميًا على قولهم سوى أنه منافٍ للعصمة الثابتة بالدلائل القطعية، ولم يبينوا هذه الدلائل القطعية، وردُّهم هذا عاطفيُّ خطابيُّ، والحقائق والمناقشات العلمية لا تردُّ بهذا الأسلوب، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت