فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 714

والمعنى الثاني أبعدُ عن الذِّهنِ مِنَ المعنى الأوَّلِ، غيرَ أنَّه معروفٌ في اللُّغةِ، قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (ت:276) : «قالَ ابنُ عَبَّاسٍ ـ في رواية أبي صالحٍ عنه ـ: الحَطَبُ: النَّمِيمَةُ، وكانتْ تُوَرِّشُ [1] بين النَّاسِ.

ومنْ هذا قيل: فلانٌ يَحْطِبُ عَلَيَّ: إذا أغرى به، شَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بالحَطَبِ، والعَدَاوَةَ والشَّحْنَاءِ بالنَّارِ؛ لأنَّهما يقعانِ بالنَّمِيمَةِ، كما تُلْهِبُ النَّارُ الحَطَبَ، ويقالُ: نارُ الحِقْدِ لا تَخْبُو. فاستعاروا الحَطَبَ في موضعِ النَّمِيمَةِ. وقالَ الشَّاعِر [2] ـ وذَكَرَ امْرَأةً ـ:

مِنَ البِيضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلَى حَبْلِ سَوْأَةً ... وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الْحَيِّ بالحَظْرِ الرَّطْبِ

أي: لم تُوجَدَ على أمرٍ قبيحٍ، ولم تَمْشِ بالنَّمائمِ والكذبِ.

والحَظْرُ: الشَّجَرُ ذو الشَّوكِ.

وقالَ آخرُ [3] :

فَلَسْنَا كَمَنْ تُزْجَى المَقَالَةُ شَطْرَهُ بِقَرْفِ العَضَاةِ الرِّطْبِ والعَبَلِ اليَبْسِ» [4] .

وبهذا يظهرُ أنَّ المعنيينِ محتملانِ في الآيةِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أسبقُ إلى الذِّهنِ منَ الثاني. وهكذا كلُّ ما شاكلَ هذه الأمثلةَ [5] .

(1) التوريش: التحريش. ينظر: القاموس المحيط، مادة (ورش) .

(2) جاء هذا البيت في تهذيب اللغة، للأزهري (ت:4/ 394) : بالحطب الرطب، وكذا في مقاييس اللغة، لابن فارس (2:79) ، وقد نقله عن الأزهري صاحبا لسان العرب وتاج العروس في مادة (حطب) ، وورد البيت في تفسير القرطبي (20:239) ، وصدره:

من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ...

(3) القِرْفُ: القِشْرُ، والمرادُ به في البيتِ: اللِّحاءُ الذي يكونُ على الساق. والعبل اليبس: الورق الساقطُ من الشجرِ، والله أعلم، ولم أجد البيت فيما بين يدي من المصادر.

(4) تأويل مشكل القرآن (ص:160) .

(5) ينظر مثلًا: تفسير «المساجد» بأنها أعضاء السجود في قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ، وتفسير «الرجم» في مثل قوله: {لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} [مريم: 46] بأنه السبُّ. وتفسير «النعجة» في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} ... [ص: 22] بأنه المرأة، وهناك غير هذه الأمثلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت