لم تنكره العرب حين سمعوه ، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم ، وقد قال الله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] الآية. ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال سهيل بن عمرو: أما {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فما ندري ما {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ! ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم ، الحديث. قال ابن العربي: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف ، واستدل على ذلك بقولهم: وما الرحمن ؟ ولم يقولوا: ومن الرحمن ؟ قال ابن الحصار: وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] وذهب الجمهور من الناس إلى أن"الرحمن"مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ؛ ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها ، فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى"الرحيم"ويجمع.
قال ابن الحصار: ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول:"قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته". وهذا نص من الاشتقاق ، فلا معنى للمخالفة والشقاق ، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له.
الثالثة والعشرون- زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب"الزاهر"له: أن"الرحمن"اسم عبراني جاء معه بـ"الرحيم". وأنشد:
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم ... بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا
أو تتركون إلى القسين هجرتكم ... ومسحكم صلبهم رحمان قربانا
قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى:"الرحيم"عربي و"الرحمن"عبراني ، فلهذا جمع بينهما. وهذا القول مرغوب عنه.
وقال أبو العباس: النعت قد يقع للمدح ، كما تقول: قال جرير الشاعر: وروى مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال: مدح نفسه. قال أبو إسحاق