فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 7446

خلاف ما أبطنوه من الكفر ، ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا ، قاله جماعة من المتأولين. وقال أهل اللغة: أصل المخدع في كلام العرب الفساد ، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي. وأنشد:

أبيض اللون لذيذ طعمه ... طيب الريق إذا الريق خدع

قلت: فـ {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} على هذا ، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء. وكذا جاء مفسر عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي. وفي التنزيل: {يُرَاؤُونَ النَّاسَ} [النساء: 142] وقيل: أصله الإخفاء ، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء ، حكاه ابن فارس وغيره. وتقول العرب: أنخدع الضب في جحره.

قوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} نفي وإيجاب ، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم. ومن كلامهم: من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه. وهذا صحيح ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن ، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه. ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع ، وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال:"لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر"قالوا: يا رسول الله ، وكيف يخادع الله ؟ قال:"تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره". وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو:"يخادعون"في الموضعين ، ليتجانس اللفظان. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر:"يخدعون"الثاني. والمصدر خدع"بكسر الخاء"وخديعة ، حكى ذلك أبو زيد. وقرأ مورِّق العجلي:"يخدِّعون الله""بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال"على التكثير. وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال ، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم ، فحذف حرف الجر ، كما قال تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] أي من قومه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت