فهرس الكتاب
قلت: وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه. وقد اختلف العلماء في إشعار الهدي وهي:
الثانية- فأجازه الجمهور ؛ ثم اختلفوا في أي جهة يشعر ؛ فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: يكون في الجانب الأيمن ؛ وروي عن ابن عمر. وثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن ؛ أخرجه مسلم وغيره وهو الصحيح. وروي أنه أشعر بدنه من الجانب الأيسر ؛ قال أبو عمر بن عبدالبر: هذا عندي حديث منكر من حديث ابن عباس ؛ والصحيح حديث مسلم عن ابن عباس ، قال: ولا يصح عنه غيره. وصفحة السنام جانبه ، والسنام أعلى الظهر. وقالت طائفة: يكون في الجانب الأيسر ؛ وهو قول مالك ، وقال: لا بأس به في الجانب الأيمن. وقال مجاهد: من أي الجانبين شاء ؛ وبه قال أحمد في أحد قوليه. ومنع من هذا كله أبو حنيفة وقال: إنه تعذيب للحيوان ، والحديث يرد عليه ؛ وأيضا فذلك يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك كما تقدم ؛ وقد أوغل ابن العربي على أبي حنيفة في الرد والإنكار حين لم ير الإشعار فقال: كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة ! لهي أشهر منه في العلماء.
قلت: والذي رأيته منصوصا في كتب علماء الحنفية الإشعار مكروه من قول أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنة بل هو مباح ؛ لأن الإشعار لما كان إعلاما كان سنة بمنزلة التقليد ، ومن حيث أنه جرح ومثلة كان حراما ، فكان مشتملا على السنة والبدعة فجعل مباحا. ولأبي حنيفة أن الإشعار مثلة وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان فكان مكروها ، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في أول الابتداء حين كانت العرب تنتهب كل مال إلا ما جعل هديا ، وكانوا لا يعرفون الهدي إلا بالإشعار ثم زال لزوال العذر ؛ هكذا روي عن ابن عباس. وحكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى أنه قال: يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البضع على وجه يخاف منه السراية ، أما ما لم يجاوز الحد فعل كما كان يفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم