فهرس الكتاب
وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} فيه ثلاث مسائل:
الأولى- ما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا. والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة - وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول خبر يرد عليك ، ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير المبشر به ، وغير مقيد أيضا. ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيدا منصوصا على الشر المبشر به ، قال الله تعالى {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24] ويقال: بشرته وبشرته - مخفف ومشدد - بشارة"بكسر الباء"فأبشر واستبشر. وبشر يبشر إذا فرح. ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة"بفتح الباء". والبشرى: ما يعطاه المبشر. وتباشير الشيء: أوله.
الثانية- أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر ، فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني. واختلفوا إذا قال: من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول ، فقال أصحاب الشافعي: نعم ، لأن كل واحد منهم مخبر. وقال علماؤنا: لا ، لأن المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة ، وذلك يختص بالأول ، وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه. وفرق محمد بن الحسن بين قوله: أخبرني ، أو حدثني ، فقال: إذا قال الرجل أي غلام لي أخبرني بكذا ، أو أعلمني بكذا وكذا فهو حر - ولا نية له - فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يعتق ، لأن هذا خبر. وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق ، لأنه قال: أي غلام أخبرني فهو حر. ولو أخبروه كلهم عتقوا ، وإن كان عنى - حين حلف - بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر. قال: وإذا قال أي غلام لي حدثني ، فهذا على المشافهة ، لا يعتق واحد منهم.
الثالثة- قوله تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} رد على من يقول: إن الإيمان بمجرده يقتضي الطاعات ، لأنه لو كان ذلك ما أعادها فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح. وقيل: الجنة تنال بالإيمان ، والدرجات تستحق بالأعمال الصالحات. والله أعلم.