فهرس الكتاب

الصفحة 2440 من 7446

عند عدم المسلمين كلهم يقولون {مِنْكُمْ} من المؤمنين ومعنى {مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني الكفار. قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة ؛ وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما.

القول الثاني: أن قوله سبحانه: {أوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} منسوخ ؛ هذا قول زيد بن أسلم والنخعي ومالك ؛ والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء ؛ إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض ؛ ولا تجوز على المسلمين واحتجوا بقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ؛ فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل ؛ وأن فيها {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} فهو ناسخ لذلك ؛ ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة ؛ فجازت شهادة أهله الكتاب ؛ وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار ؛ وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز ؛ والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.

قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه ؛ وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم ؛ وأما مع وجود مسلم فلا ؛ ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل ؛ وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره ؛ ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوي هذا أن سورة {المائدة} من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها. وما ادعوه من النسخ لا يصح فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ ؛ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا ؛ فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ؛ ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات ؛ ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم يرتضيه عند الضرورة ؛ فليس فيما قالوه ناسخ.

القول الثالث: أن الآية لا نسخ فيها ؛ قال الزهري والحسن وعكرمة ، ويكون معنى قوله: {مِنْكُمْ} أي من عشيرتكم وقرابتكم ؛ لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت