ولأن بعده {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ} فأضاف الفعل إلى الله عز وجل. فكذلك الإغشاء يضاف إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يَغْشَاكُمُ النعاسُ} بإضافة الفعل إلى النعاس. دليله {أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى} [آل عمران: 154] في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء ؛ فأضاف الفعل إلى النعاس أو إلى الأمنة. والأمنة هي النعاس ؛ فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم. وقرأ الباقون {يُغَشَّيكُم} بفتح الغين وشد الشين. {النعاسَ} بالنصب على معنى قراءة نافع ، لغتان بمعنى غشى وأغشى ؛ قال الله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} [يس: 9] . وقال: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: 54] . وقال: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} [يونس: 27] . قال مكي: والاختيار ضم الياء والتشديد ونصب النعاس ؛ لأن بعده {أَمَنَةً مِنْهُ} والهاء في {مِنْهُ} لله ، فهو الذي يغشيهم النعاس ، ولأن الأكثر عليه. وقيل: أمنة من العدو و {أَمَنَةً} مفعول من أجله أو مصدر ؛ يقال: أمن أمنة وأمنا وأمانا ؛ كلها سواء. والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف. وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها ؛ فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ، ولكن الله ربط جأشهم. وعن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ؛ ذكره البيهقي. الماوردي: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما: أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم ؛ كما يقال: الأمن منيم ، والخوف مسهر. وقيل: غشاهم في حال التقاء الصفين. وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في"آل عمران".
قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} ظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر. وقال ابن أبي نجيح: كان المطر قبل النعاس. وحكى الزجاج: أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه ، وبقى المؤمنون لا ماء لهم ، فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا