فهرس الكتاب
الثالثة: فأما الذمي إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك ، لقوله: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} الآية. فأمر بقتلهم وقتالهم. وهو مذهب الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يستتاب ، وإن مجرد الطعن لا ينقض به العهد إلا مع وجود النكث ، لأن الله عز وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما نقضهم العهد ، والثاني طعنهم في الدين.
قلنا: إن عملوا بما يخالف العهد انتقض عهدهم ، وذكر الأمرين لا يقتضي توقف قتاله على وجودهما ، فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلا وشرعا. وتقدير الآية عندنا: فإن نكثوا عهدهم حل قتالهم ، وإن لم ينكثوا بل طعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم. وقد روي أن عمر رفع إليه ذمي نخس دابة عليها امرأة مسلمة فرمحت فأسقطتها فانكشفت بعض عورتها ، فأمر بصلبه في الموضع.
الرابعة: إذا حارب الذمي نقض عهده وكان ماله وولده فيئا معه. وقال محمد بن مسلمة: لا يؤاخذ ولده به ، لأنه نقض وحده. وقال: أما ماله فيؤخذ. وهذا تعارض لا يشبه منصب محمد بن مسلمة ، لأن عهده هو الذي حمى ماله وولده ، فإذا ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده. وقال أشهب: إذا نقض الذمي العهد فهو على عهده ولا يعود في الرق أبدا. وهذا من العجب ، وكأنه رأى العهد معنى محسوسا. وإنما العهد حكم اقتضاه النظر ، والتزمه المسلمون له ، فإذا نقضه انتقض كسائر العقود.
الخامسة: أكثر العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فإنه يقتل ، فإنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا. إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل ، ما هو عليه من الشرك أعظم ، ولكن يؤدب ويعزر. والحجة عليه قوله تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا} الآية. واستدل عليه بعضهم بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدا. وتغيظ أبو بكر على رجل من أصحابه فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه فقال: ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الدارقطني عن ابن عباس: أن رجلا أعمى كانت له