فهرس الكتاب
شكا إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى
والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى. وقيل: المعنى لا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين ، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم ؛ وفي هذا ما يدل على أنه عفا عن مؤاخذتهم. وعن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب كان قد سقط حاجباه على عينيه ؛ فكان يرفعهما بخرقة ؛ فقيل له: ما هذا ؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان ؛ فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب ؟ ! قال: يا رب! خطيئة أخطأتها فاغفر لي. {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ} ابتداء وخبر. {عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي على احتمال ما تصفون من الكذب.
قال ابن أبي رفاعة: ينبغي لأهل الرأي أن يتهموا رأيهم عند ظن يعقوب صلى الله عليه وسلم وهو نبي ؛ حين قال له بنوه: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} فأصاب هنا ، ثم قالوا له: {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 81] قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} فلم يصب.
19 - {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}
قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} أي رفقة مارة يسيرون من الشام إلى مصر فأخطؤوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبا من الجب ، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران ، إنما هو للرعاة والمجتاز ، وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف. {فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} فذكر على المعنى ؛ ولو قال: فأرسلت واردها لكان على اللفظ ، مثل"وجاءت". والوارد الذي يرد الماء يستقي للقوم ؛ وكان اسمه - فيما ذكر المفسرون - مالك بن دعر ،