{وَاتَّخَذُوا آيَاتِي} يعني القرآن {وَمَا أُنْذِرُوا} من الوعيد {هُزُوًا} و"ما"بمعنى المصدر أي والإنذار وقيل: بمعنى الذي ؛ أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا ؛ وقد تقدم في"البقرة"بيانه. وقيل: هو قول أبي جهل في الزبد والتمر هذا هو الزقوم وقيل: هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأولين ، وقالوا للرسول: {هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء: 3] {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] و {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر: 31] .
قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} أي لا أحد أظلم لنفسه ممن ، وعظ بآيات ربه ، فتهاون بها وأعرض عن قبولها. {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها ، فالنسيان هنا بمعنى الترك قيل: المعنى نسي ما قدم لنفسه وحصل من العذاب ؛ والمعنى متقارب. {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} بسبب كفرهم ؛ أي نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم. {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى} أي إلى الإيمان. {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} نزل في قوم معينين ، وهو يرد على القدرية قولهم ؛ وقد تقدم معنى هذه الآية في {سُبْحَانَ} [الإسراء: 1] وغيرها.
قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} أي للذنوب. وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة بدليل قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} النساء: 48]. {ذُو الرَّحْمَةِ} فيه أربع تأويلات: أحدها ذو العفو. الثاني ذو الثواب ؛ وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر. الثالث ذو النعمة. الرابع ذو الهدى ؛ وهو على هذين الوجهين يعم أهل الأيمان والكفر ، لأنه ينعم في الدنيا على الكافر ، كإنعامه على المؤمن. وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا} أي من الكفر والمعاصي. {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} ولكنه يمهل. {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ} أي أجل مقدر يؤخرون إليه ، نظيره {لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ} [الأنعام: 67] ، {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]