فهرس الكتاب
مسألة: في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ، ويشرب الماء البارد العذب ، وسيأتي هذا المعنى في"المائدة"و"النحل"إن شاء الله مستوفى.
قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا} تقدم معنى الهبوط ، وهذا أمر معناه التعجيز ، كقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [الإسراء: 50] لأنهم كانوا في التيه وهذا عقوبة لهم. وقيل: إنهم أعطوا ما طلبوه. و"مصرا"بالتنوين منكرا قراءة الجمهور ، وهو خط المصحف ، قال مجاهد وغيره: فمن صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: {اهْبِطُوا مِصْرًا} قال: مصرا من هذه الأمصار. وقالت طائفة ممن صرفها أيضا: أراد مصر فرعون بعينها. استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول القرية ، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه. واستدل الآخرون بما في القرآن من أن الله أورث ، بني إسرائيل ديار آل فرعون وأثارهم ، وأجازوا صرفها. قال الأخفش والكسائي: لخفتها وشبهها بهند ودعد ، وأنشد:
لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد في العلب
فجمع بين اللغتين. وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا ، لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف. وقال غير الأخفش: أراد المكان فصرف. وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة:"مصر"بترك الصرف. وكذلك هي في مصحف أبى بن كعب وقراءة ابن مسعود. وقالوا: هي مصر فرعون. قال أشهب قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ، ذكره ابن عطية. والمصر أصله في اللغة الحد. ومصر الدار: حدودها. قال ابن فارس ويقال: إن أهل هجر يكتبون في شروطهم"اشترى فلان الدار بمصورها"أي حدودها ، قال عدي:
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا