فهرس الكتاب
وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل - خلافا للمدونة - لأن النحر قد وقع ، والتعدي إنما هو على اللحم ، فيغرم قدر ما تعدى فيه.
قوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} يدل على وجوب إخراج النذر إن كان دما أو هديا أو غيره ، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر ، وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى ؛ لأن المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره ، فإن أكل من ذلك كان عليه هدي كامل. والله أعلم.
الحادية عشرة: هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما ؛ ففي كتاب محمد عن عبد الملك أنه يغرم طعاما. والأول أصح ؛ لأن الطعام إنما هو في مقابلة الهدي كله عند تعذره عبادة ، وليس حكم التعدي حكم العبادة.
الثانيةعشرة: فإن عطب من هذا الهدي المضمون الذي هو جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين شيء قبل محله أكل منه صاحبه وأطعم منه الأغنياء والفقراء ومن أحب ، ولا يبيع من لحمه ولا جلده ولا من قلائده شيئا. قال إسماعيل بن إسحاق: لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله ، ولذلك جاز أن يأكل منه صاحبه ويطعم. فإذا عطب الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن يأكل منه ولا يطعم ؛ لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب ، فاحتيط على الناس ، وبذلك مضى العمل. وروى أبو داود عن ناجية الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي وقال:"إن عطب منها شيء فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس". وبهذا الحديث قال مالك والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن اتبعهم في الهدي التطوع: لا يأكل منها سائقها شيئا ، ويخلى بينها وبين الناس يأكلونها. وفي صحيح مسلم:"ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك". وبظاهر هذا النهي قال ابن عباس والشافعي في قوله الآخر ، واختاره ابن المنذر ، فقالا: لا يأكل منها ولا أحد من أهل رفقته. قال أبو عمر: قوله عليه السلام"ولا يأكل منها أحد ولا أحد من أهل رفقتك"لا يوجد إلا في حديث ابن عباس. وليس ذلك