فهرس الكتاب
صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة: 6] . وهذه المسألة مطولة في كتب الخلاف ؛ وعمدتهم التمسك بلفظ الماء حسبما تقدم في"المائدة"بيانه والله أعلم.
الثانية عشرة- لما قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وقال: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] توقف جماعة في ماء البحر ؛ لأنه ليس بمنزل من السماء ؛ حتى رووا عن عبدالله بن عمر وابن عمرو معا أنه لا يتوضأ به ؛ لأنه نار ولأنه طبق جهنم. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين حكمه حين قال لن سأله:"هو الطهور ماؤه الجل ميتته"أخرجه مالك. وقال فيه أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم أبو بكر وعمر وابن عباس ، لم يروا بأسا بماء البحر ، وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر ؛ منهم ابن عمر وعبدالله بن عمرو ، وقال عبدالله بن عمرو: هو نار. قال أبو عمر ؛ وقد سئل أبو عيسى الترمذي عن حديث مالك هذا عن صفوان بن سليم فقال: هو عندي حديث صحيح. قال أبو عيسى فقلت للبخاري: هشيم يقول فيه أبي ابن برزة. فقال: وهم فيه ، إنما هو المغيرة بن أبي بردة. قال أبو عمر: لا أدري ما هذا من البخاري رحمه الله ، ولو كان صحيحا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ، ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد. وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده ، وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء ، وإنما الخلاف بينهم في بعض معانيه. وقد أجمع جمهور من العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار من الفقهاء: أن البحر طهور ماؤه ، وأن الوضوء به جائز ؛ إلا ما روي عن عبدالله بن عمر بن الخطاب وعبدالله بن عمرو بن العاص أنهما كرها الوضوء بماء البحر ، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج عليه ، ولا التفت إليه لحديث هذا الباب. وهذا يدلك على اشتهار الحديث عندهم ، وعملهم به وقبولهم له ، وهو أولى عندهم من الإسناد الظاهر الصحة لمعنى ترده الأصول. وبالله التوفيق.