فهرس الكتاب
{وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي فيه ملوحة ومرارة. وروي عن طلحة أنه قرئ: {وَهَذَا مَلْحٌ} بفتح الميم وكسر اللام. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} أي حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه ؛ كما قال في سورة الرحمن {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بينهما بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19 - 20] . {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} أي سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر. فالبرزخ الحاجز ، والحجر المانع. وقال الحسن: يعني بحر فارس وبحر الروم. وقال ابن عباس وابن جبير: يعني بحر السماء وبحر الأرض. قال ابن عباس: يلتقيان في كل عام وبينهما برزخ قضاء من قضائه. {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} حراما محرما أن يعذب هذا الملح بالعذب ، أو يصلح هذا العذب بالملح.
الآية: [54] { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا}
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} أي خلق من النطفة إنسانا. {فَجَعَلَهُ} أي جعل الإنسان {نَسَبًا وَصِهْرًا} . وقيل: {مِنَ الْمَاءِ} إشارة إلى أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء. وفي هذه الآية تعديد النعمة على الناس في ، إيجادهم بعد العدم ، والتنبيه على العبرة في ذلك.
قوله تعالى: {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} النسب والصهر معنيان يعمان كل قربى تكون بين آدميين. قال ابن العربي: النسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر والأنثى على وجه الشرع ؛ فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا ولم يكن نسبا محققا ، ولذلك لم يدخل تحت قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] بنته من الزنى ؛ لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا وأصح القولين في الدين ؛ وإذا لم يكن نسب شرعا فلا صهر شرعا فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت ، وما يحرم من الحلال لا يحرم من الحرام ؛ لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده ورفع قدرهما ، وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما.