فهرس الكتاب
هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا ، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبدالله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق الله ، فيقول: عليك بنفسك ، مثلك يوصيني! والعزة: القوة والغلبة ، من عزه يعزه إذا غلبه. ومنه: { وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23] وقيل: العزة هنا الحمية ، ومنه قول الشاعر:
أخذته عزة من جهله ... فتولى مغضبا فعل الضجر
وقيل: العزة هنا المنعة وشدة النفس ، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه. وقال قتادة: المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية ، والمعنى حملته العزة على الإثم. وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه ، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره: {َبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2] وقيل: الباء في"بالإثم"بمعنى اللام ، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه ، وهو النفاق ، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة:
وكأن ربا أو كحيلا معقدا ... حش الوقود به جوانب قمقم
أي حش الوقود له وقيل: الباء بمعنى مع ، أي أخذته العزة مع الإثم ، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات. وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم يقض حاجته ، فوقف يوما على الباب ، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا ، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت ، فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين ، نزلت عن دابتك لقول يهودي! قال: لا ، ولكن تذكرت قول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء ، كما تقول للرجل: كفاك ما حل بك! وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل. والمهاد جمع المهد ، وهو الموضع المهيأ للنوم ، ومنه مهد الصبي.