أما الخَزَف فهو أحد الفنون التشكيلية التي عرفها العرب منذ عصور قديمة؛ فقد أنتجوا منه ـ عبر القرون ـ أعمالا خزفية كثيرة. ولما جاء الإسلام، ووحَّد بين العرب أنتج العرب المسلمون أعمالا خزفية غاية في الدقة، وزيَّنوها بأجمل الزخارف، ولوَّنوها بأبهى الطلاءات الزجاجية، وجدَّدوا في طرائق صناعتها وتلوينها. وتحتوي المتاحف العالمية اليوم على عدد كبير من القطع الخزفية التي تُعَدُّ غاية في الجودة.
وقد استخدم الخزَّافون العرب كل أساليب التشكيل الخزفي فشكَّلوا بعض أعمالهم بدولاب الخزاف، وبنوا بعضها بأساليب البناء المعروفة المتوارثة كطريقة الحبال الطينية، أو الشرائح، أو البناء المباشر، أو باستخدام القوالب للصبِّ. كما عرفوا طرق الزخرفة المختلفة فزيَّنوا قطعهم الخزفية برسوم طبيعية تمثِّل الأشجار والزهور، واستخدموا في تزيينها وزخرفتها الخط العربي، وزخرفوها بالحز أو الحَفْر، أو بالبروز.
مخطوطة من مصحف، سورة الكافرون- تونس- 1202 هـ.
وأنتجوا أشكالًا مختلفة منها الأواني الكبيرة التي تُستخدم لخزن الماء، ومنها الأباريق والزمازم، وكانت هذه كلها لا تُطلَى بالطِّلاء الزجاجي. أما كل الأنواع الأخرى من الفَخَّار فكانت تُطْلَى بالطِّلاء الزجاجي، وتُحرق مرة ثانية لتصبح خزفًا. والفرق بين الفخار والخزف هو أن الفخار يشوى مرة واحدة، أما الخزف فيحصل عليه الخزافون بأن يقوموا بطلاء هذا الفخار نفسه بالطلاء الزجاجي، ويُدخلونه في أفران الحريق ليشوى مرة ثانية إلى أن ينصهر الطِّلاء الزجاجي. وبعد هذه الحَرقة الثانية يتحول الفخار إلى خزف، ويتغير مَلْمَس القطعة إلى ملمس الخزف الصقيل. وتتحول القطعة نفسها فلا تعود مَساميَّة ترشح الماء.