فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 23157 من 45140

لم يكن المتنبي يعرف المداراة وتلك صفة فتحت عليه أبواب الأذى وأكسبته العداء. لم يكن يصانع أو يجامل. وقصصه مشهورة في هذا المقام في مواقفه مع أبي فراس وابن خالويه والمهلبي والصاحب بن عبَّاد وغيرهم كثير. أصابوه بكثير من الأذى إذ لم يصانع في أمورهم، فلو صانع لعاش في حمى وأمان.

ومن أنبل مقومات شخصيته إخلاصه في حبِّه ووفائه لمن أحب:

خلقتُ ألوفًا لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

وكان هذا الوفاء نابعًا من كريم خلق وصدق مشاعر، ومن ثم فهجاؤه الأمراء الذين سبق أن مدحهم من قبل لم يكن لعدم إخلاص وود، إنما كان احتقارًا لهم وازدراءً ومراجعة للنفس.

ولعل من سلبيات شخصيته مزاجه المتقلب وتناقضه في بعض المواقف. فلم يكن من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. ولم يكن يخلو من مزاج متشائم مرده سوء الظن بهم:

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع

إن حاربوا جبنوا أو حدثوا شجعوا

كما رُمِي بالبخل والحرص على المال وكان يدافع عن هذه الدعوى وإن نقلت الكتب والمرويات قصصًا عن بخله. ولايُنكر أن المال كان للمتنبي وسيلة لتحقيق آماله المفقودة؛ فقد نشأ في أسرة فقيرة وأدرك أن الجاه والسيادة يحتاجان إلى سلطان المال، ولكن فلسفته في ذلك أن جمع المال مخافة الفقر، هو الفقر نفسه.

ومن ينفق الساعات في جمع ماله

مخافة فقر فالذي فعل الفقر

فالمتنبي لم يكن بخيلًا ولكنه صاحب فلسفة تنبع من معاناة حقيقية أدرك خلالها قيمة المال وأثره البالغ في الحياة. ليس المال لديه مطلبًا لذاته ولكنه عون لدفع عاديات الحياة:

وما رغبتي في عسجد أَستفيده

ولكنها في مفخر استجدُّه

وقوام هذه الفلسفة ـ التي قد تبدو بخلًا ـ يتضح في نصحه كافورًا ألا يسرف في العطاء فيذهب ماله في طلب المجد فيذهب المجد إذا ذهب المال. فصاحب المال بلا مجد فقير زري، وصاحب المجد بلا مال يوشك أن يزول عنه مجده، فالمال ـ من وجهة نظره ـ وسيلة لا غاية:

فلا ينحلِل في المجد مالك كلُّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت