ومنْ صفاتِ عبادِ الرحمنِ أنهمْ لا يَشْهَدونَ الزُّورَ، ولا يَحْضرُونَ مَجَالِسَ الفِسْق واللَّغْوِ والبَاطِلِ، ومَجَالِسَ السُّوءِ، وإذا مَرُّوا بمَنْ يَلْغُونَ ويَهْذُرُونَ ويَفْسُقُونَ لم يتوقَّفوا عليهِمْ واسْتَمَرُّوا في سيْرِهِمْ مُسْرِعِين. [1]
وعَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ:" {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] قَالَ: اللَّهْوَ وَالْغِنَاءَ «. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْجَحَّافِ» أَنَّهُ الْغِنَاءُ" [2]
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَطَاوُسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُهُمْ: هِيَ أَعْيَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: هِيَ مَجَالِسُ السُّوءِ وَالْخَنَا. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: [شُرْبُ الْخَمْرِ] لَا يَحْضُرُونَهُ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ" [3] "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ , وَوَصَفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ , حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ أَنَّهُ خِلَافَ مَا هُوَ بِهِ , وَالشِّرْكُ قَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهُ مُحَسَّنٌ لِأَهْلِهِ , حَتَّى قَدْ ظَنُّوا أَنَّهُ حَقٌّ , وَهُوَ بَاطِلٌ , وَيَدْخُلُ فِيهِ الْغِنَاءُ , لِأَنَّهُ أَيْضًا مِمَّا يُحَسِّنُهُ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ , حَتَّى يَسْتَحْلِيَ سَامِعُهُ سَمَاعَهُ , وَالْكَذِبُ أَيْضًا قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ , لِتَحْسِينِ صَاحِبِهِ إِيَّاهُ , حَتَّى يُظِنَّ صَاحِبَهُ أَنَّهُ حَقٌّ , فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الزُّورِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِهِ أَنْ يُقَالَ: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِنَ الْبَاطِلِ , لَا شِرْكًا , وَلَا غِنَاءً , وَلَا كَذِبًا وَلَا غَيْرَهُ , وَكُلُّ مَا لَزِمَهُ اسْمُ الزُّورِ , لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ فِي وَصَفِهِ إِيَّاهُمْ , أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا , مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ" [4] "
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ، وَإِنَّ الذِّكْرَ يُنْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ» [5]
(1) - [أيسر التفاسير لأسعد حومد ص: 2809، بترقيم الشاملة آليا]
(2) - [تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا 8/ 2737] (15450) صحيح
(3) - [تفسير ابن كثير ت سلامة 6/ 130]
(4) - [تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر 17/ 523]
(5) - [السنة لأبي بكر بن الخلال 5/ 74] (1646 - 1650) صحيح