فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 401

وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين. أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيثوب، إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتى يصطدم بالمصير الأليم.

والتعبير بالفعل المضارع: «لَيَصُدُّونَهُمْ» .. «وَيَحْسَبُونَ» .. يصور العملية قائمة مستمرة معروضة للأنظار يراها الآخرون، ولا يراها الضالون السائرون إلى الفخ وهم لا يشعرون.

ثم تفاجئهم النهاية وهم سادرون: «حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ. فَبِئْسَ الْقَرِينُ» ! وهكذا ننتقل في ومضة من هذه الدنيا إلى الآخرة. ويطوى شريط الحياة السادرة، ويصل العمي (الذين يعشون عن ذكر الرحمن) إلى نهاية المطاف فجأة على غير انتظار. هنا يفيقون كما يفيق المخمور، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال وينظر الواحد منهم إلى قرين السوء الذي زين له الضلال، وأوهمه أنه الهدى!

وقاده في طريق الهلاك، وهو يلوح له بالسلامة! ينظر إليه في حنق يقول: «يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ» ! يا ليته لم يكن بيننا لقاء. على هذا البعد السحيق! ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله: «فَبِئْسَ الْقَرِينُ» !

ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند إسدال الستار على الجميع: «وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ» ! فالعذاب كامل لا تخففه الشركة، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون! [1]

وكما أن الذكر يضعف شياطين الجن فهو أيضًا يضعف شياطين الإنس، ولذلك أمرنا الله تعالى بالذكر عند الحرب، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]

يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأَعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَيَأمُرُهُمْ بِذِكِرِ اللهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، لِتَقْوَى قُلُوبُهُمْ، وَتَثْبُتَ نُفُوسُهُمْ، وَهَذَانِ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الفَوْزِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أَسْبَابِ الفَوْزِ بِالفَلاَحِ وَبِرِضْوَانِ اللهِ فِي الآخِرَةِ. [2]

(1) - [في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود ص: 3998]

(2) - [أيسر التفاسير لأسعد حومد ص: 1206، بترقيم الشاملة آليا]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت