مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ » قَالَ:"قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ" [1]
وعَنْ أَبِي عَلِيٍّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كَاهِلٍ، قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، فَقَالَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُك لِمَا لاَ نَعْلَمُ" [2] "
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] قَالَ:"الْأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ، أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانَةُ، وَحَيَاتِي، وَيَقُولُ: لَوْلَا كَلْبُهُ هَذَا لَأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَوْلَا الْبَطُّ فِي الدَّارِ لَأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ، لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ بِهِ شِرْكٌ" [3]
ولا يسلم من الشيطان إلا من دقَّ نظره وسعد بعصمة الله تعالى وتوفيقه وهدايته، وإلا فالشيطان ملازمٌ للمتشعرين لعبادة الله تعالى لا يغفل عنهم لحظة حتى يحملهم على الرياء في كل حركة من الحركات حتى في كحل العين وقص الشارب وطيب يوم الجمعة ولبس الثياب، فإن هذه سنن في أوقات مخصوصة وللنفس فيها حظٌّ خفيٌّ لارتباط نظر الخلق بها ولاستئناس الطبع بها، فيدعوه الشيطانُ إلى فعل ذلك ويقول: هذه سنة لا ينبغي أن تتركها، ويكون انبعاثُ القلب باطنًا لها لأجل تلك الشهوة الخفية، أو مشوبة بها شوبًا يخرج عن حد الإخلاص بسببه، ومالا يسلم عن هذه الآفات كلها فليس بخالص؛ بل من يعتكف في مسجدٍ معمور نظيف حسن العمارة يأنس إليه الطبع، فالشيطان يرغبه فيه ويكثر عليه من فضائل الاعتكاف، وقد يكون المحرك الخفيُّ في سرِّه هو الأنس بحسن صورة المسجد واستراحة الطبع إليه، ويتبين ذلك في ميله إلى أحد المسجدين أو أحد الموضعين إذا كان
(1) - الأدب المفرد مخرجا (ص: 250) (716) صحيح لغيره
(2) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (15/ 279) (30163) حسن لغيره
(3) - تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا (1/ 62) (229) صحيح