[الكاتب: أبو أنس الشامي]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد:
كم هو عجيب أمر الفتن فهي حقًا خافضة رافعة ... وخاصة في هذا الزمان .. وبالأخص بعد أزمة الخليج الثانية، فكم من علم هوى وكم من متقدم تأخر ومن سابق تقهقر .. وإلى الله المشتكى.
لعله لم يعد سرا ً .. أني في الأصل تلميذ تخرج في مدرسة السروريين فعلى أيديهم عرفت طريقة الهداية وبمناهجهم صنع عقلي وتشكلت معارفي.
وكنت كلما ترقيت في مدارج العلم أزداد حبًا لهذه المدرسة وتعلقًا برموزها .. وذلك أني كنت أشعر أنهم يقدمون لنا الإسلام صافيًا رقراقاَ لا تعكره فلسفات القديم ولم تفسده ضغوطات الفكر الحديث.
وكان الجهاد حاضرا كقيمة ومعنى بقوة في مناهج التربية.
ومنها رضعنا حب الأئمة المجاهدين في القديم والحديث، وتعلقنا بكتب السنة والسلف، وشغفنا بتراث شيخ الإسلام، وتوطدت علاقتنا بفكر سيد قطب ... الخ.
صحيح أني كنت عنصرا قلقا متمردًا بطبعي .. لكني كنت أعد نفسي منهم أطلعهم على أسراري .. وأشاورهم في خاصتي .. وأباحثهم في أفكاري .. وكانوا يبادلونني الشعور والأحاسيس. وعلم الله أني ما زلت أخص بعضهم بالدعاء كل ليلة تقريبا .. خاصة من الرواد الأوائل الذين نهجوا بي في هذا الطريق.
ازداد هذا التعلق بعد أن برز نجم سفر الحوالي كرجل مواقف جدد تاريخ ابن تيمية وعلماء الأمة السالفين .. ووقف مواقف الحق والثبات يوم أن مادت الأرض بكثير من الرموز التقليدية القديمة.
نعم .. كنت أعيب على الأخوة فيما مضى تأخرهم عن ركب الجهاد وقعودهم عن ترجمة النظر الفقهي الجهادي إلى حركة عملية على أرض الواقع .. وكنت أجد منهم عوائق وعقبات دون السعي لاستثمار ساحات الجهاد التي فتحت في أرجاء شتى.
مع العلم بأنني لم أكن في يوم من الأيام من دعاة الإصلاح بالمفهوم المنتشر حاليا .. صحيح أنني دخلت في بعض المؤسسات الدعوية وشاركت فيها .. لكن ذلك كان من قبيل استغلال الهامش المتاح للدعوة وتأخير الدخول في أعمال لم نأخذ لها أهبتها ولم نلبس لها لأمتها .. على أن ذلك هو السبيل لإحياء الأمة .. فقناعتي الراسخة قديما أن ذلك هو الجهاد ولا أنسى أني وقبل مجيئي بأشهر معدودة إلى العراق دخلت في نقاش مع أحد الأخوة الأفاضل عن أسلوب التغيير وطرائق الحل الشرعي الصحيح .. فكان من رأيه أن ذلك هو بناء مؤسسات شعبية قوية تكون أرضية صلبة للمغالبة والمطالبة.
حاورته طويلا .. وكان مما قلته له؛ إنني أخشى إلى أن ننتهي إلى ما انتهى إليه الإخوان المسلمون .. فقد انقلبت مؤسساتهم من أرضية للمغالبة .. إلى قيد على الحركة .. يقعد بها عن التقدم حفاظًا بزعمهم على المنجزات.
وهي صورة تذكرك بالقنبلة النووية الباكستانية .. التي أصبحت عبئا يحرس بدل أن تكون قوة تخرس الأعداء المتربصين وأردفت بأني أخشى أن يكثر عديد المنتفعين الذين يقتاتون من عسل الصحوة ويعتاشون على أريجها بدل أن يرووها بدمائهم وأرواحهم ... تمامًا كما هو الحال مع الإخوان.
وكنت فيما مضى أقول للإخوة إن منصب القيادة الشرعية في الأمة شاغر ... ينتظر من يملؤه ... ولعل الله يهيىء المشايخ في السجن ليستوجبوا هذا المنصب ويتسنموه بجدارة.
خرج المشايخ من السجن واشرأبت إليهم الأعناق وصوبت إليهم الأبصار .. ولكن .. حصل ما لم يكن في الحسبان وبدا مسلسل التنازل شيئًا فشيئًا.
وانخسفت الأقمار وانكسفت الشموس وأظلم الفجر الوليد .. وانطوت القلوب على حسرة وألم ممض ... وتجرعنا مرارة زادت على العلقم ..
وعدنا نضرب كفا بكف ونبكي حلما أفقنا منه على صخرة الواقع القاسية.
جاءت أحداث غزوتي نيويورك وواشنطن فأحيت الأمل الدفين وحركت العزائم وبدأ الشباب يشهدون ولادة قيادة جديدة تصنع المجد وتبنى الصرح بالدماء الطاهرة والجماجم الصادقة.
وتتابع سقوط الرموز القديمة .. وأسفَّ بعضهم إسفافًا غريبًا .. وتغيرت المفاهيم وانقلبت الثوابت وانماعت الأصول العقدية .. ورأينا سلفيين نزعوا إزار السلفية ولبسوا بنطال الإخوان، كان هذا مدخلًا وليس مقصودي التأريخ المستوعب لحركة الصعود والهبوط في مؤشرات الدعاة على مسرح الأحداث.
فالذي فجر هذه الشجون ... أني اليوم جالست الإنترنت بعد انقطاع يزيد على سنة ونصف فتوجهت إلى موقع مجلتى المحبوبة سابقًا السنة ..
هذه المجلة العزيزة - سابقا - كان لي معها قصة حب قديمة، وذلك أني شهدت بدء انطلاقتها أيام أزمة الخليج .. فوجدتها قائلة بالحق ناطقة بالصدق الذي ننشده، فكنت استنسخ منها عشرات النسخ وأوزعها علانية أيام الجامعة الإسلامية .. مغامرا بسلامتي مضحيا بمستقبلى!
وكان رفاقي يلومونني على تهوري بزعمهم ... وكنت أجدني مدفوعًا لمثل هذا نشرًا للحق الذي أومن به.
فتحت الموقع ... وليتنى ما فتحته ... قرأت فيه مقالًا لمحمد سرور .. يثنى فيه على هيئة علماء المسلمين ويمتدح فيه جمعها الناس الوطنيين ومعتدلي الشيعة ... ونبذها للطائفية ... الخ.
سبحان الله .. لقد تعلمنا منكم أن الوطنية كفر وأن الديموقراطية شرك وأن اللعبة السياسية خدعه وشَرَك وفخ قذر. وتعلمنا منكم الحذر من مناهج البدعيين ... وورثنا عنكم كفر الرافضة وأدركنا عبركم خبثهم وشدة عداوتهم ومكرهم لهذا الدين.
وامتدح في المقال رئيس هيئة العلماء وأثنى على دينه وعقله وحنكته، وتداعى إلى مخيلتي هذا الحارث الضاري وهو يسأل عن حكومة علاوي في إذاعة مونت كار لو فيبدي دهشته من معاداة الحكومة لهيئته مع أنها لم تعاد الحكومة نعم لم تؤيدها ولكنه شخصيا يتمنى لحكومة علاوي التوفيق والنجاح.
نعم التوفيق والنجاح لحكومة علاوي في تحقيق أهدافها والتي هي باختصار قمع الجهاد والقضاء على أهل السنة وتطبيق النظام العلماني ... الخ القائمة.
وأعجب من هذا أن سرورًا أثنى على استنكار الهيئة لذبح الكفار .. وكأنه لم يقرأ السيرة النبوية مع إننا على كتابه في السيرة تربينا .. وإلى الله المشتكى.
وأعجب من هذا أني رأيت في عدد قديم صدر قبل نحو سنة تحليلًا للعنف السياسي .. كرر فيه الكاتب الأكذوبة لتي روجت عبر وسائل الإعلام وبأيدي الأبواق الفكرية الإسلامية الوسطية؟!
وأن علاج الأزمة هو فتح المجال لإبداء الرأي والمشاركة السياسية والسماح للشعوب بالبوح بشوقها إلى الشريعة ولو كان ذلك على سبيل تنفيس المشاعر المكبوته!
وما كأنّ الأمر جهاد لإقامة الدين وإحياء الخلافة وتطبيق الشريعة ...
وتناسى الكاتب حقيقة الصراع الدائم الدائب بين الإسلام والجاهلية.
ابتدأ مسلسل التنازل ولا ندري إلى أين ينتهى.
وهذه نتيجة منطقية؛ فلقد وقفت الأمة على مفترق الطرق وتوحشت الجاهلية ولم تعد ترضى منك بالصمت وكان هنا الخيار الصعب.
فإما أن تلتزم ثوابتك وتعض عليها بالنواجذ وتحتمل من بعد عض السيوف حياة والكهوف، وإما أن تطأطئ رأسك وتحنى جبهتك وتركب معهم القافلة وهي ماضية من محطة إلى أخرى وصولًا إلى الكفر المحض ... والعياذ بالله.
أكتب هذا؛ والالم يعتصرني لأني مازلت حافظًا للود القديم ولم أنس بعد .. ولن أنسى الأيادي البيضاء لكم عندي ولذلك فإني أوجهها صرخة من الأعماق؛
أفيقوا ... أيها السروريون ...
بقلم الشيخ؛ أبي أنس الشامي
مسؤول اللجنة الشرعية
بجماعة التوحيد والجهاد / العراق