[الكاتب: أبو عبد الله عماد بن عبد الله التونسي]
لقد تقرر عند علماء الشريعة وفقهائها - وعائض القرني يقول عن نفسه أنه فقيه! - أن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد يكون بميزان الشريعة ولا يكون بالاستحسانات الفردية والتحكمات العقلية، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر من عشرين موضعا من فتاويه قاعدة تنص على أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، ورد هو وغيره في أكثر من موضع على المتكلمين والمتفيقهين الذين يعطلون أحكام الشريعة بمثل هذه التخرصات.
المصلحة المطلقة، وكذلك المفسدة المطلقة، لا تكاد توجد في ما أمر الله به أو نهى عنه في هذه الحياة الدنيا، إنما ادخر الله سبحانه المصلحة المطلقة لأهل رضوانه في الجنة، وأعد المفسدة المطلقة للمغضوب عليهم في نار جهنم.
والتوحيد الذي هو أول وأعظم التكاليف لا يزال يجر في الدنيا على أهله المصائب والابتلاءات التي يشيب من مفارقها الولدان، وقد أمر الله سبحانه بالجهاد ورغب فيه مع ما فيه من ذهاب الأنفس وضياع الأموال، وحرم الفواحش مع ما قد تجلبه لمواقعها من شهوة وملذة عاجلة، فحرم الخمر والميسر مع ما قرر من نفعهما، ولو أستباح رجل صنع الخمر وبيعها لما قد يجر ذلك من مصلحة لكان حكمه إلى الزندقة أقرب منه إلى الإسلام.
أما"الفقيه"عائض القرني فقد خالف هذا الأصل في جلسة واحدة وأكثر مرة، وأمام الخاص والعام علق حكم جهاد الأمريكان المحتلين، وهو فرض عين على الأقرب فالأقرب، على عدم تحقق الضرر منه، وكأنه يعرف جهادا جديدا لا تترتب عليه مضرة.
ورخص في وأد مؤسسة الحرمين الخيرة لما قد يلحق البلاد من ضرر أمريكي!
ولبس على السامعين أن ما تفعله الدولة السعودية من مظاهرة للصليبيين هو من جنس الصلح والمصانعة للكفار خشية ضررهم، واستدرك حتى على مسألة التمسك بالدين وتغيير المناهج!
والأدهى والأمر في هذا كله؛ أنه يشبهه بسياسة النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار ويسميه الفقه السياسي.
كان العقلانيون القدامى والمعاصرين منهم؛ أكثر حياء من هذه الطينة من المتفلسفين على الشريعة، فهم حين يتحدثون عن المصلحة والمفسدة بمعزل عن الدليل، فإنهم يريدون بذلك ما يرونه من مصالح ومفاسد عامة، وهذا في حد ذاته زيغ وانحراف عن السراط السوي، فكيف بمن يجعل المصلحة والمفسدة متعلقة بمصالح طغمة باغية تسلطت على حكم البلاد وحاربت أولياء الله ووالت أعداءه؟ وكيف بمن يقيد المصلحة والمفسدة بالقيود الوطنية الجاهلية التي لا ترضي الله ولا عباده؟
ما أحسن ما رد عليه أحمد منصور عند قوله: إن هذا الكلام باب ومفتاح لكل المفاسد ...
هذا من الناحية الشرعية، أما من الناحية العقلية؛
فالعقول القاصرة التي لا تتمسك بهدي الشريعة تغفل أن هذه الأعمال التي يقوم بها ولاة الأمر الذين يتمسح بهم القرني ويزين باطلهم قد جرّت على أمتنا مقتل ما يقارب مليون ونصف مسلم من أهل العراق فقط، بسبب خياناتهم المتكررة وتحالفهم مع أهل الصليب وطغيان البعث الملحد، فليت شعري من الذي يستحل ويبيح دماء عوام المسلمين بمثل هذه الاستحسانات والسفسطات العقلية؟
هذا بغض النظر على الأموال الطائلة التي دُفعت للصليبيين والمساعدات البترولية التي لولاها لصارت أمريكا الآن في خبر كان ...
لقد فتح هذا الرجل على نفسه وعلى من يثق به بابا واسعا من أبواب العقلانية والتحرر من التكاليف الشرعية، وهذه ضريبة يدفعها كل من يداهن ويتنكر لمبادئه ويقدم عقله على نصوص الشرع وأحكامه.
ضريبة يدفعها كل من يجادل عن طواغيت قد تراكم كفرهم وباح للعميان.
وقد صدق فيه وفي أمثاله قول ابن الجوزي رحمه الله:(ومن تلبيس إبليس على الفقهاء، مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك. وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عرضًا فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه:
الأول: الأمير يقول لولا أني على صواب لأنكر علي الفقيه وكيف لا أكون مصيبا وهو يأكل من مالي.
والثاني: العامي، أنه يقول لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فإن فلانًا الفقيه لا يبرح عنده.
والثالث: الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك).
وكلامه هذا في سلاطين المسلمين فكيف بالطواغيت المشرعين؟
وما أدل على فساد دين هذا الرجل من كذبه المفضوح وزعمه أن المشايخ الذين ناقشهم يكفرون عامة الناس، وهذه كذبة تدل على أخرى وتبين أنه لم يناقشهم أصلا ولا يعرف مذهبهم، أو أنه يعرف الحق والصواب ويكتمه، فلعل هذا جائز على مذهب القوم، إذا ظهر لهم فيه مصلحة!!!
أما التوحيد والبراءة من المشركين قبل الظلمة ونصرة المستضعفين؛ فهذه صارت عند البعض سلعة كاسدة لا تجلب إلا القبض على الجمر، ولهم في فقه المصالح السياسية سعة.
نسأل الله حسن الخاتمة ...