فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 295

[الكاتب: حمد بن ريس الريس]

رد على بيان سلمان العودة وسفر الحوالي؛ المعنون بـ"فتاوى وإضاءات حول حرب العراق"

وغلت مراجل مالهن قرار ... بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله القائل في محكم التبيين {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} .

والصلاة والسلام على من بعثه الله بالسيف ليفلق هام المشركين محمد بن عبد الله القائل: (قاتلوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم) ، وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا نفوسهم ومهجهم استجابة لما عاهدوا الله عليه من نصرة هذا الدين وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

وبعد ...

فإن من الجبن والخور والذل والمهانة أن يتفرج المسلمون على دماء وأشلاء إخوانهم في شتى بقاع بلاد المسلمين حيث الحروب الصليبية التي عادة من جديد لتمزق كيان المسلمين وتقضي على إيمانهم بالله وتشككهم في دينهم وعقيدتهم وتنشر بينهم مبدأ التنصير الكافر، وتصادر خيراتهم، وتجعلهم يعيشون تحت وطأتهم، يتحكمون في حياتهم، ويفرضون عليهم أنظمتهم الكافرة.

· ومن هنا أنادي جميع المسلمين في شتى بقاع الأرض:

أن يهبوا من سباتهم ويستيقظوا من غفلتهم ويكونوا جسدا واحدا ويدا واحدة في مواجهة هذا العدو الغاشم ومناحرته ومصارمته أينما حل وارتحل، عملا بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} .

· إلى كل مسلم غيور على دينه وعقيدته:

ضع يدك في يد إخوانك واطعنوا خاصرة هذا الطاغوت، دونكم أيها المسلمون عبدة الصلبان، لا تأخذكم فيهم رأفة ولا رحمه، واقتلوهم حيث وجدتموهم، فليس بيننا ولا بينهم عهد ولا ذمة.

كيف يكون ذلك وقد طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد وأعلنوا الحرب على الحاضر والباد معلنين أنها حرب صليبيه بعيده الآماد؟!

· أيها المجاهدون الأحرار، يا ليوث الوغى وسيوف الهدى، يا مصابيح الدجى، يا أسود الورى:

هذه أبواب الجنة قد تفتحت لقدومكم، وهذه الحور قد أشرفت تنظر إلى فعالكم، وهذه أشجار الجنة تهتز طربا لمقدمكم، فأروا الله من أنفسكم خيرا.

هذه قوافل النصارى جاءت لقتالكم؛ فأثخنوا فيهم القتل، ولا تبخلوا بدمائكم، فإن الثمن الجنة، وهي تحت ظلال السيوف.

أليس الله قد قال لكم: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} ؟

أليس سبحانه هو القائل: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} ؟

أليس هو القائل: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} ؟

· أيها اليوث الكواسر والأبطال البواسل:

شدوا الهمة، وقدموا النفس رخيصة في سبيل الله، فهذه أيامكم، جاءت فيها رايات الإيمان ترفرف على رؤوسكم تقول لكم:

حق الجهاد فليس عنه خيار

حطين إن رحاك سوف تدار ... خيل المنايا أسرجت فتأهبي

أن كشرت عن نابها الأخطار ... يا مسلمون ومن سواكم للحمى

فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، فقد وعدكم الله بإحدى الحسنيين - إما النصر وإما الشهادة -

ولا تلتفتوا إلى القاعدين المخذلين، الذين رضوا بالحياة الدنيا والراحة والدعة، فإن فاقد الشيء لا يعطيه.

وأقول: إنكم أنتم على الحق وهم على الباطل، وقد وعدهم الله بالعذاب إذا لم ينفروا في سبيله ويجاهدوا من أجلة ويرخصوا دمائهم لنصرة دينه، قال تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} .

ثم ليعلم كل مسلم؛ أن الجهاد في هذه الأيام فرض عين على جميع المسلمين - إلا من عذره الله عز وجل - حيث اجتاحت النصرانية بلاد المسلمين وأثخنت فيها قتلا وإفساد، كما هو في العراق وأفغانستان والسودان وأماكن كثيرة من بلاد المسلمين، فإنْ تخاذل المسلمون عن الدفاع عن دينهم وبلادهم؛ فسوف يجتاح هذا العدو المزيد والمزيد، ولا يتوقف عند حد، لأنه لا يرضى لأحد أن يكون على غير عقيدته أو يعمل بنظام غير أنظمته.

وقد أخبرنا الله عز وجل بذلك في كتابه مما لا يدع مجالا للشك في أهداف حروبهم للمسلمين، فقال تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} ، وقال سبحانه: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} ، وقال سبحانه ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وقال تعالى: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} ، وقال: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} ، وقال تعالى: {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} ، وقال سبحانه: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} .

وليس بخاف على أحد ما جرى ويجري على أيديهم من الظلم والبطش والعدوان الذي لم يسمع في التاريخ مثله، حيث حرقوا الديار وسفكوا الدماء وانتهكوا المحارم ونشروا الفساد في الأرض، يستخدمون في ذلك كل وسائل التدمير التي يحرمونها على المسلمين، وما يجري في العراق اليوم إنما هو إحدى حلقات التدمير التي لا تبقي ولا تذر.

قوم لا يعرفون الرحمة، ولا يعترفون بحقوق، بل لا يرون المسلم - خاصة - إنسان له قيمة أو وزن يذكر.

ولعلك حينما تتأمل في تاريخ الأمريكان وما فعلوه مع بعض الشعوب من التدمير الهائل؛ ليتبين لك أنهم قوم لا يرون غيرهم، وأنهم هم الذين يجب أن يحكموا العالم بأسرة، فاقرأ تاريخهم الأسود لتعلم خبثهم وسوء نواياهم، وأحيلك في ذلك إلى كتاب الشيخ ناصر الفهد حفظة الله؛"التبيان في كفر من أعان الأمريكان"- الجزء الأول -

· معشر المسلمين:

متى تهبوا في الدفاع عن عقيدتكم وبلادكم؟! وأنتم ترون هؤلاء الطواغيت يعتدون عليكم ويجتاحون بلدانكم واحدة تلو الأخرى، إلى متى هذا التخاذل يا أمة الإسلام؟! الله ... الله في الجهاد، فهذا زمانه، فإن لم تفعلوا فبطن الأرض خير من ظاهرها.

ولا يغرنكم من قال: (بإنه يشح بدمائكم أن تراق، ويعتقد أن بقاء النفوس خير من إزهاقها في القتال، لتتزود من الأعمال الصالحة) !

متجاهلا فضل الشهادة وتكفيرها للذنوب وغفران الله للعبد عند أول قطرة تخرج من دمه ومضاعفة أعمال المجاهد.

وقد ثبت في الصحيحين؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (لا تستطيعونه) ، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: (لا تستطيعونه) ، ثم قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) [هذا لفظ مسلم] .

وللبخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: (لا أجده) ، ثم قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟) ، فقال: (ومن يستطيع ذلك) .

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن المجاهد إذا مات، يجري عليه رزقه وعمله وهو في قبره، فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنه القبر) [رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح] .

وعن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامة، وإن مات فيه أجرى عليه عمله الذي كان عمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان) [رواه مسلم] .

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن] .

وأما تحديد المصلحة في أمر الجهاد؛ فلا يعلمها إلا الله، والذي يفهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ أن مصلحة العبد في الجهاد - سواء انتصر أم انهزم - والشهادة وحدها مطلب يجب على العبد أن يسعى له.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنها كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنها يبتغي القتل والموت مظانة) [رواه مسلم] .

ويجب أن يفهم؛ أن الحرب سجال، وقد لا يتحقق النصر في أول وهله لحكمة يريدها الله عز وجل، فالابتلاء والامتحان من عوامل التمحيص كما بينه الله عز وجل في قوله: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} ، وقال عز وجل: {ذلك ولو يشاء الله لا انتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم} .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله على هذه الآية: ( {ولو يشاء الله لانتصر منهم} ؛ فإنه تعالى على كل شيء قدير وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم، {ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} ؛ ليقوم سوق الجهاد وتتبين بذلك أحوال العباد الصادق من الكاذب وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن تبصره، لا إيمانا مبنيا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا لا يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا) اهـ

فالنكاية بالعدو التي ذكرها صاحب هذه المقالة؛ التي يكون على أثرها إزهاق أرواح خلص أتقياء صلحاء، لا يعلمها إلا الله عز وجل، إذ أن العبرة في جيوش المسلمين بالكيف لا بالكم.

ولو أن تأملنا جيوش النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوجدنا أنها في الغالب ثلث جيش العدو، إن لم تكن أقل، كما في غزوة بدر الكبرى وأحد والخندق، بل إنه صلى الله عليه وسلم أرسل جيشا قوامه ثلاثة آلاف إلى عدو يبلغ جيشه مئتي ألف، وعقد الراية لثلاثة أمراء كلهم، قد بين أن سيقتل، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليشح بدمائهم ويحرمهم الشهادة.

قال تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} .

وبما ذكرناه ينتفي الإشكال الذي أثاره صاحب هذه الفتوى، وما استدل به من كلام الإمام الفقيه العز بن عبد السلام رحمه الله، إذ أنها مسألة اجتهادية ولا مجال للاجتهاد مع النص، والوقائع التاريخية تثبت ذلك.

وأما الأسباب التي ذكرها لتكون مبررا لعدم الذهاب إلى الجهاد في العراق؛ فلا أصل لها في الشرع، حيث الأدلة بخلافها، وهي مسألة اجتهادية محضة، وهو نفسه يرى أن ما قاله في جوابه ذلك قد يكون خطأ - وهو كما قال -

وأما كلام الشيخ سفر الحوالي حول الشورى؛ فلا نعلم أحدا ذهب إلى الجهاد بدون استشارة أهل هذا الشأن - وهم أهل الثغور ومن حذا حذوهم - وليس بلازم أن تكون الشورى حسب ما يراه هو.

وأما قوله: (إن من الخطأ الشديد حصر المعركة في ميدان واحد أو حصر واجبنا في حمل السلاح وننطلق به إلى بلد ما، وإلا فلا نفعل شيئا، أو كأننا لم نفعل شيئا) !

فقد تكلمت على هذه المسألة في رسالة"أين تطلب العزة"، إذ أنه ليس بصحيح حصر المعركة في ميدان واحد، فإن الذي يجب أن يقال؛ أن يجمع بين الدعوة إلى الله والنصح وتبيين الحق وبين الأمر بالسلاح ومقارعة العدو، لا سيما وأن الأمة تواجه زحفا صليبيا لا هوادة فيه، مما يتعين به جهاد الدفع - الذي هو فرض عين على كل من استطاعة - كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} .

هذا ما أردت بيانه في هذه العجالة، تبرئة للذمة وإقامة للحجه، وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء.

سائلا الله عز وجل أن يجعل ما قلته خالصا لوجهه الكريم، صوابا على هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ينفع به المسلمين، أنه على ما أقول وكيل، وبالإجابة جدير.

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أخوكم؛ حمد بن ريس الريس

تم الفراغ منه؛ 6/ 2/1424 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت