[الكاتب: أبو أنس الشامي]
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده.
لا ادري لماذا يصر الدعاة الكبار على محاصرتنا وسد منافذ الود والاحترام المتبقية في قلوبنا لهم بسبب أياديهم البيضاء فيما مضى، وكأني بهم يجتهدون في جمع جبال من الحصى ثم يدفعونها إلينا دفعًا لنرجم بها الماضي الأزهر الذي كانوا قد خطوه قديمًا بجهادهم، قبل أن يرتجلوا عن القافلة، ويتخلوا عن المقولات السابقة لسجنهم.
أنا كسائر أبناء الصحوة من أترابي؛ تربيت على المحاضرات والنتاج الثقافي الشرعي الذي قاده الرادة الكبار - وعلى رأسهم الشيخان سفر وسلمان - وقد تربع هذان الشيخان على عرش قلبي وقلوب أترابي في كل مكان.
وكنت لا أزال أجاهد القلم وأحمي اللسان مخافة أن يزلا فيقعا في هذين العلمين.
ولكنهما للأسف يأبيان إلا أن يدفعانا دفعًا ويسوقانا سوقًا لنطاعنهما، لا كراهية لهما - علم الله - ولكن ذودًا عن الملة ودفاعًا عن الإسلام الذي تعلمناه منهما فيما مضى.
بالأمس طالعت مقالةً لسلمان يثبط فيها عن النفير إلى العراق، كما وانطوت على كثير من المغالطات التي تشي - لا بجهل بواقع الجهاد فقط - وإنما تكشف انحرافات في الأصول وتغيير عجيب للثوابت الشرعية.
وبين يدي الحديث المختصر المعتصر عن بعض هذه المغالطات لابد من توطئة ومدخل، فأقول:
عجبت يا سلمان أن نجد لك بحثًا كاملًا في الثناء على جهاد حماس في فلسطين، تفخم فيه أعمالها وتضخم فيه إنجازاتها، وتبلغ بها الجوزاء، بل وتجوزها إلى عنان السماء، مع الخلل العقدي والأصول البدعية التي انطوت عليها هذه الحركة - على الأقل بموجب الموازين الشرعية التي تعلمناها منكم فيما مضى -
وهذا بالطبع لا يعني أننا نقف ضدهم ومع اليهود، بل أصل الموالاة الإيمانية والنصرة الدينية واجب لهم مع النصح والتبيين.
وفي المقابل؛ فإننا لا نجد لكم مقالةً أو قالةً في الثناء ومدح الجهاد في أرض الرافدين يليه الدعاء لهم واستنصار الأمة لنصرتهم - على الأقل فيما نعلم -
ودعني اهمس في أذنك كلمة هي نتاج استقراء ومعايشة ومباشرة للجهاد هنا منذ سنة، وخلاصتها؛ أن الجهاد في الواقع هو جهاد سلفي بنسبة 90% وتزيد.
أما نسبة الأخوة المهاجرين من وراء الحدود؛ فلا والله ما رأينا اخوانيًا أو تبليغيًا قد عبروا الحدود لنصرة اخوانهم والجهاد معهم، بل كلهم من أبناء الدعوة السلفية، على تفاوت بينهم في إدراك فقه هذه المدرسة.
وأما إخواننا الأنصار من أهل البلد؛ فجل من يجاهد هنا الذين ينبزون بـ"الوهابية"، التي كنت تنتسب إليها فيما مضى، وربما لا يدري الكثيرون أن اكثر مجاميع"المقاومة الإسلامية الوطنية"التي تقاتل هنا؛ هم من أبناء الدعوة السلفية، ولكنهم غرر بهم واستغلت سذاجتهم ورغبتهم الصادقة في الجهاد، واُستدرجوا عبر الدعم المادي لتسرق دماؤهم ويصنع المجد بجماجمهم على أيدي دهاقنة"الأخوان".
هذه شهادة أسأل عنها بين يدي الله وأذود دونها بين يدي الخلق، فهلم فلنبتهل.
وعودة على بدء ...
فأقول؛ لقد استنكر الشيخ الفاضل قتل العراقي للعراقي، ولنا هنا وقفات:
أولا:
ذكر أئمتنا أن مسألة الأسماء والأحكام من القواعد العقدية المهمة، والتي تعتبر الضابط لمسيرة المؤمن في الحياة، حتى لا ينحرف أو ينجرف، وخلاصة هذه القاعدة؛ أن الله تبارك وتعالى أنزل أحكاما على حقائق ربط بينها بأسماء شرعية، فمتى وجد الاسم الشرعي تعلق به الحكم الشرعي.
فمن هذه الأسماء الشرعية في هذا الباب؛ مسلم، مؤمن، كافر، منافق، مرتد، زنديق، ذمي ... الخ.
هذه أسماء شرعية تعلقت بها مهمات فقهية وأحكام علمية، فمثلًا عندما نسمي شخصًا"مسلمًا"فستتعلق به منظومة من الأحكام الشرعية، فله ولاؤنا وحرام علينا دمه وماله وعرضه ... الخ.
وهكذا عندما نصف شخصًا بأنه"مرتد"؛ فحقه القتل والاستتابة وماله فيء ... الخ.
ليس في دين الله؛ أن العراقي أو الأردني أو الكويتي لا يقتل لوصف الوطنية، فهذه قواعد التعامل عند العلمانيين، أما نحن فـ"الإسلام"هو الرحم الذي بيننا وبين الناس، به نواصل ونفاصل، ومن أجله نوالي ونعادي، وفي سبيله نقاتل ونهادن.
وسؤالي هنا؛ أليس قد قاتل النبي أبناء عشيرته القرشيين في بدر وأحد وغيرها؟ أم تراه قاتل الشيطان؟! ربما!
ثانيًا:
عجيب أن ينطق الشيخ بهذه الإشارات، وهو يرى بأم عينيه فعل الجيش والشرطة العراقية - لا مع أهل السنة فقط - بل حتى مع الشيعة المتمردين على خط الاحتلال، فماذا يريد منا هذا الشيخ؟
هل نطوي صفحة الجهاد ونلملم متاعنا ونرحل عن هذه البلاد، مخافة أن نقتل عراقيًا؛ استبحنا دمه بسيف الشرع، لتصفوا الساحة للعدو الأمريكي ومن وراءه المرتدون من العراقيين؛ ليقيموا دولة ظاهرها الرفض وباطنها الكفر المحض، وليستاقوا الأمة من بعد إلى مهاوي الشرك والكفر والعهر الغربي.
ثالثًا:
ها هو الشيخ المجاهد - سابقًا - يدعونا إلى ترك الجهاد، لنفسح المجال للشعب ليستمتع بالكهرباء والماء والخدمات الأساسية! بدعوى المحافظة على"مقاصد الشريعة".
وأنا لا ادري أين كان هذا الفقه عن الفقيه الأكبر؟ وهل ذهل عن هذه الحكمة الحكيم الأول صلى الله عليه وسلم وهو مستعلن بسب المشركين وعيب آلهتهم ويجشِّم اتباعه عناء العذاب والتهجير والتشريد والقتل لأجل توحيدهم ودينهم؟
أما كان يسعه صلى الله عليه وسلم؛ أن يدعوا إلى"حوار وطني"و"مائدة مستديرة"يجتمع عليها الفرقاء، ليتحاوروا ويتعاونوا على بناء الوطن ورفعة شأنه، وأن يديروا صراعًا سياسيًا سلميًا لا تراق فيه دماء ولا تشهر فيه السيوف؟
هل يجب علينا أن نهادن الجاهلية وان نتوسل لها لتفسح لنا مكانًا في نسيجها المجتمعي والسياسي الجاهلي، لنمارس معارضة سياسية خجولة وتكملة للـ"دكتور الديمقراطي"؟
أهذه مقاصد الشريعة عندك أيها الشيخ؟!
ثم كيف غاب عنك - وأنت صاحب"فقه الواقع"- أننا هنا لا نجاهد دفاعًا عن العراق فحسب، وإنما دفاعًا عن الحرمين والأقصى وسائر عالمنا الإسلامي قبل أن تحكم أمريكا الخناق وتستلب إرادة الجميع؟
رابعًا:
من بدهيات الفقه الإسلامي أن الجهاد يتحول فرض عين إذا دوهمت ارض إسلامية وعجز أهلها عن الدفع.
وأنا أقول هنا - واثقًا -؛ أننا بحاجة ماسة إلى الكفاءات العسكرية والشرعية والطبية والإعلامية، بالإضافة إلى الدعم المالي، هذه الحاجات ماسة جدًا ... فلماذا التثبيط؟
وفي الختام أتوجه إليكم مشايخنا الكرام، أسألكم بالله نيابة عن المجاهدين في كل مكان قائلًا:
اتقوا الله فينا ... فان لم تنصرونا، فلا تحاربونا.
أبو أنس الشامي
3 / رجب / 1424 هـ