[الكاتب: هاني السباعي]
أليس في البكاء على أسرانا في فلسطين والعراق وأفغانستان شغل؟
فوجئنا أن الشيخ الدكتور عباسي مدني قد أضرب عن الطعام حتى يفرج عن الصحفيين الفرنسيين المخطوفين في العراق، ويؤكد في مقابلة لقناة الجزيرة أنه موقف أخلاقي ولم يتصل بأي سلطة أجنبية وأنه يتضامن مع الأحرار الذين وهبوا أنفسهم مثله من أجل الحرية وهو مستعد أن يموت من أجلهم.
لقد استوقفتني العبارة فحوقلت واسترجعت، وقلت لا بد من التعليق الوجيز من خلال النقاط التالية:
بادئ ذي بدء: نؤكد أن الشيخ الدكتور عباس مدني داعية إسلامي كبير وله ثقل ليس في الجزائر فحسب بل في العالم الإسلامي قاطبة، وقد ابتلي بالسجن على أيدي عسكر فرنسا في الجزائر .. ولكنه في الفترة الأخيرة طفق يخرج على وسائل الإعلام بمبادرات وتصريحات عجيبة وخاصة بعد استقراره في قطر التي أعلن منها إضرابه عن الطعام تضامنًا مع الصحفيين الفرنسيين.
بعد هذه التقدمة نشرع في تعليقنا وعتابنا في نفس الوقت:
أولًا: لا يقر الإسلام خطف الأبرياء ولا قتلهم فالبرئ برئ، ولا يقر عاقل أن يقتل برئ؛ فالإسلام لا يقر قتل غير المحارب سواء كان صحفيًا أم فلاحًا .. فكل من يثبت أنه لا علاقة له بالدولة المحاربة أو الدولة المحتلة لبلد إسلامي فلا يجوز خطفه أو قتله، والذي يتحقق من طبيعة هذه العلاقة المجاهدون- وخاصة إذا كان لهم أمير يأتمرون بأمره - إذ أنهم في حالة حرب وبلدهم محتل، ومن ثم يطبقون أحكام السير والجهاد في الفقه الإسلامي.
ثانيًا: نود أن نهمس في أذن فضيلة الشيخ عباسي مدني من باب {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} : فرنسا لم تتضامن مع أحرار شعب الجزائر بل تآمرت عليكم أنفسكم أبناء جبهة الإنقاذ ودعمت طغمة العسكر تسببت في قتل أكثر من مائتي ألف جزائري ومزقتكم شر ممزق وزج بزعماء قادة جبهة الإنقاذ في غياهب السجون وعلى رأسهم الشيخ علي بلحاج وفضيلتكم يا شيخنا الجليل.
ثالثًا: كنا نود أن يضرب الشيخ عباسي مدني عن الطعام تضامنا مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الإحتلال لكنه للأسف لم يفعل .. أليس هؤلاء أحرارًا؟! أليس هذا موقفًا أخلاقيًا؟ ألا يستحق هؤلاء أن نموت من أجلهم؟!
رابعًا: لو كان إضرابك شيخنا الجليل مع حرائر العراق اللائي تعرض بعضهن للاغتصاب في سجن أبي غريب اللعين! أو كان تضامنًا مع أطفال العراق الذين قطعت أوصالهم وأشلاؤهم بل وتعرضوا للاعتداءات الجنسية الهمجية من ذئاب الاحتلال الأنجلو أمريكي لكان أولى وأجدى! أليس هذا موقفًا أخلاقيًا؟ ألا يستحق هؤلاء أن نموت من أجلهم؟!
خامسًا: كنا نود أن يأخذ شيخنا عباسي مدني بعين الاعتتبار أسرى المسلمين في اجرام وجوانتانامو الذين لا بواكي لهم!
سادسًا: كنا نود أن يضرب الشيخ عباسي مدني تضامنًا مع الحجاب المحظور في فرنسا نصيرة العرب والمسلمين!
سابعًا: كنا نود أن يضرب الدكتور مدني عن الطعام احتجاجًا على تصرفات من يطلق عليهم: ممثلي مسلمي فرنسا الذين اختاروا طواعية قانون اللادينية - العلمانية - على نص قرآني محكم!! علمانية فرنسا المتخصصة فقط في كراهية المسلمين والتضييق على هديهم الظاهر!!
ثامنًا؛ الأكذوبة الكبرى: فرنسا نصيرة العرب والمسلمين!! فرنسا لم تناصر العرب والمسلمين إلا في النزر القليل من قضاياهم ليس لسواد أعيننا! بل لتنازعها في قسمة الغنائم (نحن هذه الغنائم طبعًا) ولتضييق أميركا عليها في بعض مناطق النفوذ خاصة في أفريقيا.
تاسعًا: فرنسا التي اعترضت على اقتراح قانون تجريم الخيانة الزوجية وتشن حملة ضارية على تركيا رغم أن حكومة أوردغان لم تعلن تطبيق حد الزنا في الشريعة الإسلامية إنما فقط تجريم طبقًا للقانون الوضعي!!
عاشرًا: فرنسا التي تشارك بقوات لها في حصار الشعب الأفغاني ولحماية وتثبيت حكم عميلهم كرازي .. كنا نود أن يتضامن الشيخ عباسي مدني ولو ببيان يطالب فيها فرنسا نصيرة العرب والمسلمين!! يطالبهم بسحب قواتهم من أفغانستان.
حادي عشر: فرنسا نصيرة قضايانا!! قبلت ظهر المجن لسوريا التي كانت بالأمس القريب حلبفًا مدللًا لفرنسا!! وها هي ذي باريس تحرض أميركا ضد سوريا.
ثاني عشر: فرنسا نصيرة العرب تقلب ظهر المجن أيضًا لحكومة السودان التي خطفت كارلوس وقدمته قربانًا على عتبات قصر الإليزيه لعل وعسى فرنسا تقف معها ضد الحصار الأمريكي وقتئذ!! لكن هيهات (من يهن الله فما له من مكرم) .. وها هي ذي وزيرة دفاع فرنسا تستعرض قواتها على الحدود التشادية السودانية بل وتستعجل أميركا لتدخل عسكري في دار فور تريد أن تعوض حصتها التي خسرتها في العراق!!
صفوة القول:
على رسلك فضيلة الشيخ عباسي مدني فإن مصابنا جلل فأسرانا كثر وقتلانا لا حصر لهم وجراحنا تنزف شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا .. فإن كنت لا بد مضربًا عن الطعام من منطلق أخلاقي كما صرحت في حديثك؛ فقلب العالم الإسلامي فلسطين أولى بالشفقة وأسراهم في سجون الاحتلال أحرى بالتضامن معهم فهم المظلومون دائمًا .. وإن كنت لا بد فاعلًا فلا تنس عجائز العراق وأراملهم وأيتامهم ..
ولا تنس أن تضرب عن الطعام تضامنًا مع نساء العراقيات الأسيرات في سجن الإحتلال الأمريكي والإيطالي .. وأنتم أعلم بأن من قتل دون عرضه فهو شهيد فيكون ذلك أعذر لكم عند الله ..
ولا تنس شيخنا الجليل أننا أمة واحدة حيث لا بواكي لقتلانا وأسرانا في كشمير والفلبين والشيشان وأفغانستان مرورًا ببغداد الرشيد ودار فور على الأبواب ... انتهاء بالمسجد الأقصى الأسير .. أليس في البكاء على قتلانا وأسرانا شغل؟
أليس هؤلاء أحرارًا؟! أليس هذا موقفًا أخلاقيًا؟ ألا يستحق هؤلاء أن نموت من أجلهم؟!