فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 295

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين.

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.

وبعد:

من المسلمات التي لا مكابرة في وجودها والبديهيات التي لا جدال في ثبوتها أن أمة الإسلام تعيش اليوم يقظة شملت جميع شرائحها وتحيا صحوة عمت كل طبقاتها فقد عرفت عدوها وأدركت مقاصده ووعت حقيقة المؤامرة واشتعلت فاعليتها وأيقنت أن العدو الجاثم على أرضها والمغتصب لممتلكاتها والسارق لخيراتها والماد يد العبث في ثرواتها والسائر للاستحواذ الكامل على أهل الإسلام لن يقهره عن ظلمه وطغيانه ويصده عن عدوانه واستبداده إلا لغة المنازلة والقوة فقد بلغت الأمة رشدها وتجاوزت زمن الخنوع والانهزامية وخلفتهما ورائها ظهريًا وشرعت جادة في شق طريق العزة والسيادة وصارت أمة تملك إمكانية المواجهة بعد خلعها قيود الموادعة التي طالما كُبلت بها.

لقد علمت الأمة كيف تستعاد الذّات ودرست كيف تسترد الحقوق المغتصبة في ظل حياة الغابة التي يعيشها العالم، وهاهو المشروع المقترح الذي كادت الأمة أن تنسى جثمانه بدأ يجسد على أرض الواقع ويتلذذ المسلمون وينعمون بمعايشته ويتذوق مرارته ويعيش بؤسه الكافرين ونوابهم.

لقد أصبح فقها الأمة يدرسون قضايا الحرب التي طالما هجروها بإقبالهم على دراسة الواقع المرير التي بدت الأمة تودعه، ولا شك أن الأمة الآن تمر بمنعطفات حادة وخطيرة وتجتاز بمفترق طرق حساس تحتاج فيه إلى رجالاتها لتضيء لها جنبات الطريق وترشد لها سيرها ولا زالت أمة الإسلام بحمد الله ولودا تنجب العلماء العاملين وتخرج المجاهدين الربانيين فكلما فقدت من رجالها أحدًا بموت أو انحراف خلفه غيره وسد مكانه سواه.

ومن الأمور التي تصيب العاملين بالحيرة والدوار هو أن العدو يعلم ويدرك أن المحرك الأساسي للقوى المدافعة عن كرامتها والعاملة لرفع الذلة عن أمتها هي تلك العقول المدبرة والرؤوس المفكرة ولذا فقد شاهد أهل الإسلام أن العدو في الوقت الذي تنحسر سيطرته عن الأراضي المسلمة بدأ يرسم الخطط ليحتل أكبر قدر من رؤوس الأمة ويختزلها لصالحه فتساهم هذه النخب المنحرفة والفئات المضللة في تحوير نصر الأمة المرتقب أو تسعى لتأجيله أن لم يمكنها إجهاضه وتعمل بقواها الخفية على إبقاء العدو في موقعه وتحميه من التيارات الموقفة له والمرجعة لامتداده وذلك في تعميم السبات ومحاولة تأصيله وتهيئة الأمة للسقوط والعثار بإضعاف بنيتها وتطبيع الانقياد والوهن والتوهين وتطويع الأمة للهزيمة والقضاء على روحها وإماتة قدراتها على المواجهة وتنمية الإحساس وتحبيذ التراجع في نفوس أفرادها.

لقد كسب العدو وسيطر على هذه الساحات من رؤوس الذين يحملون نفوس خائرة وعزائم مهزومة فصارت رؤوسهم مراكز شيطانية يخلوا إليها السذج ويظهرون للاندساس بالصف حاملين لواء التقهقر ومتظاهرين بالحماس للقضية الإسلامية فقد أجادوا صناعة النفاق المعاصر وأتقنوا صياغته ولموقع هؤلاء وسجل تأريخهم الماضي يسهل التسلل داخل الصف ويتيسر الاختراق لنفوس كثير من المعجبين فيُخدعون تحت شعار الواقعية والتعامل مع المتاح وإجادة فن الممكن حتى وإن كان في هذا المنهج السقوط والذوبان والاستسلام.

لقد عشنا ردحًا من الزمن معظمين لرموز صحوتنا وناظرين إليهم بإكبار ومستمعين لحديثهم بإصغاء ومقدرين ما يحمله المتكلم من صدق المشاعر وروح المناضلة عن الحق والتفاني لقمع الباطل والعمل الدؤوب لنصرة دين الله، وكنا ننتظر بفارغ الصبر اليوم الذي يقود هؤلاء الأمة فيه لرفع لباس الذلة وخلع أثواب المهانة فيكون يومًا يفرح به المؤمنون بنصر الله وتترجم فيه الأقوال التي ملأت الآذان أمالًا إلى أعمال تملأ العيون وتشرح الصدور، ووالله وبالله وتالله ما كان يدور بخلدي أن يأتي يوم أسطر فيه مقالا في الرد على أحدهم أو أكتب بيانًا لتحذير الأمة من شر بعضهم وما إن سارت بنا وبهم الأيام حتى نفاجأ بأنهم اختُرِقوا ثقافيًا وصودرت جهودهم التي بذلوها إلى مصالح العدو فأنشأوا يروضون الأمة للذل وينسجون لها خيوط الاستكانة ويحيكون شباك الذل والمهانة شعروا بذلك أم لم يشعروا، اعترفوا به أو أنكروا.

فمن واجبنا لأمتنا أن ندع المجاملات جانبًا ونترك خوف النقد ورهبة التجريح وأن نعمل على حجر تلك الأفكار المسمومة في رؤوس أصحابها ولا نسمح لها بالخروج إلا مصحوبة بلافتات التحذير لئلا تعكرا صفوا المشارب ولتحمى حياض المنهج حتى تفي هذه الطائفة إلى رشدها وتتوقف عن المخادعة للذين أمنوا.

إن هذه الفئة المنحرفة والفرقة المخترقة والتي أُتيحت لها وسائل الإيصال بجميع أشكاله تعمد في صناعتها اللبس عدة مناحي منها التظاهر بإرادة الإحسان بهذا العمل وابتغاء الإصلاح والتوفيق ولا يمكن أن تنطلي هذه الأمور على الأمة وشبابها لولا أن الرؤية الحقيقية للقرآن قد غُيبت عن حياة المسلمين وتغييبها هو العامل الأساس للوقوع في شراك العدو وحجبها هو السبب الرئيس للسقوط في فخاخه ومن العجائب أن يبلغ مكر العدو بالأمة مبلغه وتسير هذه الكلمات التي لا رصيد لها في الواقع مع أن الأمة يلامس سمعها قول معزها عن المنافقين {إن نريد إلا إحسانًا وتوفيقا ... الآية} .

ولولا أن هذه الدعوى تتكرر ويستمر عرضها لما صار لكتاب الله كبير فائدة ولكان مجرد قصص تاريخية وروايات طواها الزمن ولمَا كان كلام الله المعجزة الخالدة.

إن هذه الشريحة من جسم الأمة أستغلها العدو أيما استغلال فيستدر من أذهانهم البيانات الجماعية وعقد الحملات ويستحلب من أفكارهم الحوارات والكلمات فأول ما صنعوا شق واسع وشرخ متسع في كيان الأمة وذلك في بيانهم الانبطاحي التعيس (على أي أساس نتعايش) والذي صار بمثابة النافذة لإطلاع العدو على ما عندنا من فجوة فكرية رخوة وشائخة، ثم تلوه بحملتهم الآثمة (الحملة العالمية لمقاومة العدوان) كيف يقاوم عدوانًا مسلح بحبر وورق، ثم تلوا ذلك وعززوه بالحوار الوطني، وبين ذلك تكون نزغات فردية يفرح بها العدو وينفخ ولن ينساها تاريخ الأمة ولن تدخل تحت مسألة التغافر.

ومن هذه النزغات الفردية لغمس الأمة في أوحال التبعية ومستنقعات الاستكانة مبادرة سفر الحوالي في رمضان المنصرم لعام 1424هـ ولا يهمنا أكان مخادعًا أم مخدوعًا وما كانت تلك الكلمات لتأخذ موقعها في سجل الاهتمام إلا في هذه الأيام حيث أن الرجل لما فشل هو وغيره في اصطياد المجاهدين بتلك الحبائل المكشوفة والفخاخ الظاهرة أصبح يترجم القول إلى عمل ميداني دؤوب للوصول إلى أي مطلوب.

فكيف يجوز لمسلم أن يسلم إخوانه في الإسلام إلى أيدي ظلمة مستبدين ويسعى لتسليط الإنسان على الإنسان , وذلك أن الضباط في المباحث رغم ما بذلوا عجزوا عن الحصول على المعلومات من المعتقلين وفشلت الاستخبارات السعودية عن تحديد مواقعهم وضبط أماكنهم حتى وصلت بها الحال إلى الاستنجاد بالمواطنين واستجداء الوافدين وأغرتهم بالأموال لمد يد العون ولكن ضل سعيهم في وبال فلما وصلوا إلى هذه المرحلة المأساوية دعموا سفر الحوالي رسميًا لتنفيذ ما لديه فشرع يمارس هذا العمل الممقوت بمساومته لبعض العاملين في مجال الجهاد والمؤيدين للمجاهدين والذي يتوقع أن يكون لديهم معلومات عنهم فيهدد هؤلاء بالإبلاغ عنهم إن لم يعطوه أي معلومة توصل إليهم أو إلى أحدٍ منهم. والخيار الآخر أن ينظم معه في مشروعه للبحث عن المطلوبين وفور الموافقة يسلمه بطاقة وكرت حماية من المباحث فلا يخضع للمداهمة والتفتيش، وليعلم أن إيعازهم لمثل سفر وصحابه لاستنطاق منهو خارج السجن للإدلاء بالمعلومات أمر طبيعي في ظل عجز الدولة وظهور ضعف استخباراتها.

سوف ألقي نظرة خاطفة لمداخلته التي سجلها برنامج بلا حدود في قناة الجزيرة الفضائية ولولا أن هذه المداخلة مسجلة بصوته ومن أتاني بها منسوخة على ورق ليس من عادته الطرافة والمزاح لظننتها أحد الفكاهيات والمداعبات التي يتداولها الصحاب إذ أنها لا تقبل عقلًا ولا واقعًا, كيف يبوح بهذا القول رجل يعقل ما يقول ويعيش واقع القوم الذين يخاطبهم والذين يستمعون له.

أولًا:- حينما أراد توجيه خطابه المنتظر إلى أسود الوغى وفرسان ميادين الجهاد قال (أعني الأخوة المنتسبين للجهاد) فلم تطب نفس الشيخ أن يطلق عليهم اسم المجاهدين ولكن اكتفى بتصويره لهم منتسبين ليخلع عنهم وسام الشرف الذي نالوه بجهادهم فجعل عملهم المقدس وتقديمهم أنفسهم وأموالهم وتخليهم عن الحياة بما يحفها من أنواع المتع وأشكال الملذات التي أقبل عليها غيرهم وتنافس لنيلها سواهم كل هذا لا يسمى جهادًا في قاموس الشيخ فهم مجرد منتسبون للجهاد فقط.

ثانيًا:- من المعلوم أن النفوس مجبولة على كره الظلم وحب الانتصار للمظلوم وقد عرض سفر الحوالي ما جرى له من ظلم وسجن واعتقال وهنا وقفة تأمل وهي أن السجن والاعتقال لا يدلان على صحة منهج الرجل أو فساده فهؤلاء ساسة كل من يرون أنه يهدد كراسي حكمهم ويحاول المساس فيه يضربونه بيد من حديد سواء كانت دوافعه دينية أو غير دينية ثم لنا التفاتة إلى الخلف كم سجل التاريخ من رجال سجنوا بل ماتوا في سجونهم أو قُتلوا وهم على غير هدى من ربهم بل في ظلال مبين وكم من العلماء الصادقين والقادة المخلصين لم يتعرضوا لسجن هؤلاء ولا لسجن غيرهم ولعدم فقه المجتمع لهذه المسألة وضبطه لها صار السجن للأشخاص محطة شهرة ووسام تشييخ وإن كان السجين أعظم الناس جهلًا وأضلهم سبيلًا.

ثم بعد أن ذكر سفر الحوالي سجن الدولة له، قال بكل وقاحةً وصفاقة مناديًا للمجاهدين (لا تشتكون من أي شيء فعلته الحكومة بكم إلا وقد ذقناه قبلكم) وفي هذه العبارة أمران وهما:

الأمر الاول:- تجاهله أن الحكومة في سجونها تتعامل مع السجناء معاملة تختلف حسب جنسية السجين ونوع جريمته في نظر النظام الحاكم فهل يا ترى سوف تتعامل الحكومة مع سفر وأضرابه ممن يرونهم في مثل العهد المكي مثل تعاملها مع المجاهدين الذين ينازلون الباطل ويبذلون جهدهم في إزهاقه فلا يستطيع شخص عرف سجن الدولة أن يجعل هناك قاعدة مطردة وقانونا مستمرًا لجميع السجناء ولا يستطيع أحد أن يتجرأ أو يقول فُعِل بالشيخ سفر ما فُعِل ببعض المجاهدين فضلًا عن كلهم ولا أريد هنا أن أفسد فطر بعض القراء بذكر أصناف العذاب الذي يمس به المجاهدون في بطون السجون وبيان منافاته لأدنى حقوق الإنسان فضلًا عن المسلم والذي لا يمكن أن يتصور بشاعته سفر فضلًا أن يقول أتاني مثله هذا بالنسبة للسجن, أما خارجه فالجميع يعلم أن المجاهدين ضيق عليهم ما لم يضيق على أحدٍ غيرهم ونالهم من الأذى في أنفسهم وأهلهم ما لم ينل بشر من الناس.

الأمر الثاني:- قوله"قبلكم"وهذا يصور سابقية الشيخ وتجربته المتقدمة، وكأنك تسمع تجربة الشيخ عمر عبدالرحمن فك الله أسره وفي نفس الوقت حداثة تجربة المجاهدين وأنهم سجنوا وعذبوا بعده، وهذا صريح في مجانبته للصواب فمنهم من سجن قبل سفر بسنوات عداد ولم يستطع بعضهم من الإفلات من قبضة الطغاة إلا بعد تظاهره بالفسق وإظهاره المعاصي والمنكرات مخادعةً للذين كفروا.

ثالثًا:- لما علم أن هذه المداخلة يحس من خلالها الغش ويظهر منها المخادعة أظهر في مداخلته وصرح بأنه ناصح للطرفين (المجاهدين ـ الحكومة) وما كل من أظهر النصح صادق بل من المظهرين النصح من يكون قوله مخادعة {إني لكما لمن الناصحين} .

ومنهم من يظهر النصح وخلفه مكاسب شخصية وأغراض نفسية وأهداف ذاتية يسعى لتحقيقها ويجاهد لتحصيلها.

رابعًا:- ذكر في مداخلته المرتجلة حال النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية وهذا أمر يلوكونه دائمًا ويجترونه ليل نهار بدون فقه وبصيرة ألم يعلموا أن هناك آيات نزلت ناسخةً للمسالمة التي كانت بمكة وهم يدعون الأمة لتتقولب بقالب الفترة المكية.

وما أدري متى يأذنوا للأمة بانتهاء هذه الفترة من حياتها وبداية جهاد أعدائها وإزالة المعوقات عن طريق نشر الدين وظهوره.

ثم ما هو الأمر الذي يصد هؤلاء عن النظر في صفحات السيرة وذلك في بداية العهد المدني الحافل بالصراع اللامتكافئ حتى ظهر أمر الله وارتفع دينه ومكن لأوليائه.

ثم بعد عرضه لقضية العهد المكي ساق عدة من أحادث الرسول صلى الله عليه وسلم مقتضبة بين الصحيح والضغيف بدون تمحيص بل ولا عزوا إلى المصادر، والاتفاق على أن سفر ليس من أهل الحديث لأجل أن نقول فضيلته لا يحتج إلا بما صح عنده، وأيضًا ليعلم الجميع أن هؤلاء يخوضون نفوسهم في لجج بحار ومسائل شائكة يجب أن تحرر فيها الأدلة بنضرة شرعيه مؤصلة من قبل أهل العلم الراسخين، ومن هذه المسائل التي أقحم سفر نفسه في بحثها مسألة المقاتلة في الفتنة فأتى بأدلة بغية أن تصوب له وجهة نظره وتصحح رأيه وتدعم قوله وهى أدلة ليست من الأمر الذي يتكلم فيه ولا تنطبق على حال المجاهدين الذين وجه الخطاب لهم مع عدوهم ولكنه رسم مشوه لصورة المجاهدين وإظهار للمستمع أن المجاهدين يسيرون سيرة مخالفة لهذه الأحاديث , والعاقل يتساءل هل يستطيع سفر أو غيره ممن يلوكون لحوم المجاهدين ويحاولون أن يلبسوا عملهم الإجرامي لباسا شرعيا بإيراد مثل هذه الأدلة , هل يستطيع هؤلاء أن يثبتوا أن المجاهدين مستعرضون قومهم قتلا وتشريدا حتى يوردوا عليهم الوعيد على قتل المؤمن وما ورد في القتال في الفتنه أوليس يفقه واقع المجاهدين الذي فهم منهجهم كل متابع لأخبارهم وأنهم يفرون بأنفسهم ويتحاشون مقاتلة من يقاتلهم والاصطدام بمن يطاردهم إلى أن يصل الأمر بهم إلى أضيق نطاق وهؤلاء يطلبونهم مظانهم فالأولى والأحرى أن يوجه خطابه إلى أولئك الأنذال الذين يبذلون دينهم لدنيا غيرهم والذين سلم منهم الكفار وأعملوا سلاحهم في عباد الله الصالحين.

وقد روى جمع من الصحب الكرام رضي الله عنهم كما في الصحاح والسنن والمسانيد قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل دون ماله فهو شهيد وهو حديث صحيح مشهور ومتداول وقد نقل الامام الترمذي في جامعه عن ابن المبارك يقاتل عن ماله ولو درهمين.

أرأيت قول هذا الإمام فكيف يلام من قاتل دون نفسه ودينه أتراهما ارخص من الدرهمين ... ؟؟؟

وقد بوب الإمام البيهقي في سننه الكبرى (باب من أريد ماله أو دمه أو دينه فقاتل فقتل فهو شهيد) وليسمع كل من سولت له نفسه فانتهج منهج التلبس والتدليس أننا نملك مرجعية علميه تتكسر نصاله المغشوشة على صفحاتها فقد سطر الإمام مسلم في صحيحه قصة الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله قائلا: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت أن قاتلني؟ قال (قاتله) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال (فهو في النار) . أترى الشارع الحكيم يأذن بالمقاتلة دون المال بهذه الصورة ويصدر الوعيد على المقاتلة دون النفس بالصورة التي ذكرها فضيلة الشيخ ألا فليبحث عن الحياء.

ثم يا شيخ سفر هلا سلكت المسلك الذي دعوت إليه واعتزلت الفتنة ووسعك بيتك وتركت الكلام والخوض في هذه الفتنه.

خامسا:- ذكر تراجع بعض الجماعات في دول أخرى وهذه إحدى بلايا القوم، ففشل التجربة في موضع لسبب أو لآخر، لا يدل على مشروعية وأد الفكرة، وإلغائها، فلئن فشل قوم فقد نجح آخرون، ثم من البديهي أن التراجع ليس بحد ذاته دليلًا كافيًا على بطلان المنهج، فقد دخل قوم من أهل الكتاب في الإسلام مراوغة، ثم تركوه، قال تعالى) وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون (، وقد ارتد غيرهم، فهل يدل على خطأ المسار؟ كلا.

سادسًا:- دعا إلى المبادرة لإيقاف العنف (الجهاد) في كل مكان، وهل يقصد فضيلته في كل أرض، أم في أرض الجزيرة وحدها، أمرٌ محتمل، والإشكال ليس في صفاقة عقل صاحب النداء ومطالبته بالمستحيل، وإنما فيما سيحصل بعده، ذلك أن المجاهدين وعلى رأسهم شيخهم، الشيخ أسامة بن لادن مستنصتون لسماع نداء الشيخ، فإذا سمعوا له سيتركون الجهاد ويعزمون على النكوص والتراجع، فلن تسمع إذن بعد هذا دويَّ انفجار، ولن تبصر عينٌ أثرُ دماء، وترى الأمة أسودها استنعجوا على كراسي في صالات الحوار، اللهم لا شماتة.

وقد وعد الشيخ إذا أُوقف العنف (الجهاد) أن يبذل الجهد ليفرج عن المعتقلين، ألم يعلم فضيلته ومن دار بفلكه أن المجاهدين يتكأون على قيم معصومة من الزلل (الكتاب والسنة) فلا يمكن تغييرها بمجرد نفثة صدر سفر أو غيره، وهم في السجن استعذبوا العذاب لأنهم سجنوا لأجل مبدإ هم به مؤمنون، وعلى ما نالهم في سبيله صابرون.

ثم متى يا شيخ تعرف موقعك، أتظنك صانع قرار الدولة، ألم تذكر في مطلع مداخلتك أنك سجنت ولم تستطع فك نفسك، إلا بعد أن أعطيتهم ما يريدون، وسلخت منهجك في غرف سجنهم، أتريد أن يفعل المجاهدون نفس الفعلة التي فعلت، أولم تذكر أن لك حق واجب لازالت الدولة حرمتك منه، فكيف تبذل جهدك بطلب حق غيرك.

سابعًا:- دعى الشباب المجاهد أن يطأطؤوا رؤوسهم وأن يسلموا أنفسهم لعدوهم من قبله، ولماذا من قبله؟ {الله أعلم بما في صدور العالمين} ووعدهم إن هم فعلوا ذلك الأمر ببذل الضمانات، وهذه ليست من السابقة ببعيدة عن السخافة والحماقة، ولقد اتضح للجميع مدى فجاجة هذه الدعوى، وأنها لا رصيد لها في الواقع، وذلك حينما استجاب (علي الفقعسي) أحد المجاهدين لنداء سفر وصدق قوله فسلم نفسه من قبله، ووقع في فخه، وجدنا صدق قول سفر ولمسنا الضمانات وذلك إثر قبضه مباشرة وفور تسليمه بأن خرج وزير الداخلية مستهزئًا بسفر ومشروعه، فهل تراجع سفر بعدها ولم يعقب؟ وهل الآن يستطيع سفر الحوالي أو غيره أن يدلي بمعلومات سليمة عن الفقعسي فضلًا أن ينفذ الضمانات الوهمية ويسعى للإفراج عنه، هذا من جانب المجاهدين، أو على حد تعبير فضيلته (المنتسبين للجهاد) .

أما خطابه للدولة فقد عرض فيه المضحكات والفكاهات، ووالله لو طاف بالشخص منام بهذه الأشياء لاستحى من ذكرها يقظة، فكيف يطالب الدولة:

1 -بعفو عام عن الجميع، ولعل الدولة سمعت هذا النداء ووضعته موضع الاعتبار والتنفيذ، ولكن حينما يفرغ فضيلته وتسنح له مداخلة ثانية، يوضح فيها طريقة الإفراج وشروط الإخراج، حينها سوف يبدأ العمل، يا سفر إنهم لن يسمعوا لك، ولو سمعوا ما استجابوا، فدع الخيال وتكلم في الحقيقة.

2 -طالب بمحاكمة المحققين جراء ما ارتكبوه في حق المساجين، ألم تعلم يا سفر أن هؤلاء المحققين ارتكبوا ما هو أعظم من حق المساجين، وهو استهزائهم بالله وبرسوله وبكتابه وبالمؤمنين، وأن كل ما يفعله المحققون صادر من أسيادهم ومتابعة دقيقة لخطوات أعمالهم، وتبريكها منهم، فكيف يليق بعاقل أن يطالب أن يحاكموهم على فعلٍ أمروهم به، وحثوهم عليه، ألم تعلم أن النياشين والرتب تعطى لمن هو أعتى طريقة وأنكى أسلوبًا، ألم تعلم أنهم رغم كل ما ارتكبوا لم يرضوا أسيادهم بل صاروا يبحثون عن غيرهم، أوليس من اتهم أنه متعاطف مع المساجين يناله من عذابهم ما يناله.

3 -طالب فضيلته بوضع نظامٍ لطريقة المداهمة والاعتقال، وليحط سفر علمًا أنهم لن يسمعوا له لأن هذه المداهمات العشوائية يستقووا بها على الضعفاء والعزل، أما من يتوقعون منه أنه سيسمعهم أزيز الرصاص التي تجعل جندهم المداهم حصيدًا خامدين فإنهم يضعون له نظامًا يستطيعون أن يحموا جندهم لا حرمة الآخرين.

ثم واصل فضيلته النداءات المرتجلة فطالب بإرجاع الأئمة والخطباء وفتح باب التشاور ورد المظالم وإلغاء جميع القوانين الوضعية، ومقاومة الضغوط الخارجية والرجوع عن القرارات مثل الدمج و ... و ... وهذه المطالب تنبأ عن رؤية غامضة وتجاهل لسيرة الدولة، مع أن سيرتها لا يمكن إنكارها ولا مجال لإخفائها إذ أنها أحد مؤسسات القمع والاستبداد وحماية الشر والفساد.

[كتبه: عادل بن عبد الله السليم]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت