التغير الآيديولوجي لـ"رموز الصحوة"
بمناسبة بيان الـ"26"... مقابل المطلوبين الـ"26"
يجب أولا أن نتناول الظروف والتطورات الاجتماعية والسياسية التي حصلت بها تحولات هذه المجموعة، ونرى إن كانت كانت هذه الظروف والتطورات تفسر بعضها.
ثلاث قضايا ظرفية أثرت في صناعة نفسية هذه الفئة وهيأت لثقافة التراجع:
1)النظام الحاكم.
2)شكلية تركيبة العلماء.
3)النشاط الإسلامي الحركي.
مواجهة للنظام دون جاهزية:
عاش النظام الحاكم عقودا من الزمن رافعا - زعما - راية الإسلام ومتمتعا بشرعية وفرتها له المؤسسة الدينية المعيّنة من قبله. وإلى أن حلت أزمة الخليج لم تكن شرعية النظام موضع تساؤل ولم يخطر ببال أحد أن يواجه النظام حتى فكريا بسبب طغيان الاعتقاد بالشرعية. ومع وجود هذا الجو الفكري لم يكن المحسوبون على التيار الإسلامي - بكل أطيافه - في موضع مواجهة الدولة أو حتى مجرد التفكير بمواجهة الدولة فيما سوى استثناء غير معتبر؛ هو جهيمان العتيبي والذي كانت مواجهته مبتورة دون عمق اجتماعي أو تاريخي. بعد أزمة الخليج تخلخلت هذه القناعة وفتح الباب لتدرج في المواجهة من الخطابات والمذكرات والمحاضرات إلى المهرجانات والاعتصامات.
لم يكن لدى الذين تصدوا للنظام خبرة ولا تجربة فيما يضمره النظام لهم، فلم تحصل مواجهة من قبل بين النظام السعودي وتيار إسلامي سلمي عريض الطيف. وربما لم يعتقد بعضهم أن النظام سيختار خيار البطش والسجن والفصل والتعذيب والتنكيل بعد المواجهة، بل إن البعض اعتقد أن النظام يخشى إن قرر مثل ذلك أن يتعرض للتفكك والانيهار. لكن النظام بطش، وبطش بقوة ولم يتردد في المجازفة بمواجهة أشخاص مصنفين علماء في مقابل التمكن أمنيا من الحكم.
والنظام ليس عنده مشكلة في الخبرة، فلديه قوات الأمن والإعلام والمال والسلطة والدعم الخارجي، ولديه خبرة في قمع اتجاهات أخرى في السابق، ولديه مؤسسة دينية رسمية تبرر بطشه. أما الإسلاميون أنفسهم فهم معدوموا الخبرة لم يجربوا مواجهة ولا تحدي مع سلطة، ولذلك فقد سببت هذه المواجة لهم حالة ارتباك نفسي واجتماعي وحركي. المشكلة التي واجهت هذه المجموعة أنها لم تتخلص من الارتباك إلى هذه اللحظة ولا تزال تعيش لحظة الوضع المؤقت.
هذا النقص في الجاهزية النفسية والاستراتيجية للمواجهة لدى هذا التيار في مقابل كامل الجاهزية لدى النظام جعل كل ما يترتب على الارتباك لدى هذه الفئة نتيجة طبيعية وجعل الثبات والصرامة والاستراتيجية والاستقرار النفسي هو الاستثناء، حتى صارت حالة مثل حالة الشيخ الزعير وكأنها نشاز. والاستثناء هنا ليس استثناء الوصف بل هو استثناء القبول الذوقي للهزيمة حيث انتشر عند كل هذا التيار تبرير التراجعات باعتبارها أمرا طبيعيا. ولم يكن التيار الإسلامي ليعتبر هذه التراجعات هي الأصل والثبات هو الاستثناء لو لم يكن يعيش حالة الارتباك الدائم.
شكلية تركيبة العلماء:
قبل أزمة الخليج وقبل أن تبدأ المواجهة مع النظام الحاكم كانت صورة المؤسسة الدينية ومنظومة العلماء صورة واحدة ليس فيها شيء إسمه؛ شريحة رسمية مرضي عنها من قبل النظام وشريحة مستقلة غير مرضي عنها من قبل النظام. بعد أزمة الخليج تبين ان هذه المنظومة فعلا فيها شريحتان وظهرت المسافة واضحة بينهما منذ أن تقدم الشيخ سفر بمحاضرته عن الوجود الأمريكي في مقابل فتوى كبار العلماء التي أجازت وجودهم.
وباستقلال الفريق الذي يمثل نفس الشريحة التي نتناولها بالتحليل حصل وضع جديد في نظري لم يتمكن المنتمون لهذه الشريحة من استيعابه. ففي الوقت الذي كان فيه تمايز هذين الشريحتين واضحا أمام الناس وأمام النظام نفسه فقد كانت الشريحة التي نحن بصددها عاجزة عن تحديد موقعها أو إدراك أنها أصبحت فعلا جهة مستقلة ذات كيان بمسؤولية شرعية ومرجعية لها قيمة.
لقد عجز المنتمون لهذه الشريحة أن يدركوا ثقل وجودهم وعجزوا أن يخاطبوا المجتمع من خلال جسم مستقل بل عجزوا حتى أن يطوروا موقفا جديدا من الفريق الآخر المحسوب على الدولة بعد هذا التمايز. ورغم اشتمال هذه الشريحة على شخصيات ثقيلة جدا - شرعيا واجتماعيا - فقد استمرت مواقفهم في التعامل مع المؤسسة الرسمية بطريقة هي نسخة من موقف الشارع تماما.
ولذلك، فضلا عن العجز عن مواجهة المجتمع بجسم مستقل فقد عجزت هذه الشريحة عن أن تتوقف عن ترسيخ شرعية ومرجعية الشريحة الرسمية، وكان الكثير من"المستقلين"يصرون على أن أفضل طريقة للتعامل مع الأزمات هي في الاحتماء خلف تروس كبار العلماء. لم يدرك معظمهم أن"كبار العلماء"ملتزمون التزاما استراتيجيا ببرنامج الدولة وأنهم لن يقصروا في تأكيد شرعية الدولة وتأكيد شرعية إجراءاتها ضد نفس هذه الشريحة والاستعداد لتجريم من يخالف الدولة متى ما أرادت الدولة ذلك. ورغم تكرار مواقف المؤسسة الرسمية في ذلك بوضوح ألا أن الإصرار على تثبيت وتأكيد مرجعية العلماء الرسميين بقي الصفة السائدة على عقليات وتوجهات المستقلين.
هذا الوضع المتناقض تجاه تجزؤ المؤسسة الدينية أوجد عند هؤلاء المستقلين فصاما في المرجعية، أضاف إلى حالة الارتباك والعجز التي وجدوا أنفسهم يعانون منها بسبب المواجهة مع النظام. ووصل الارتباك إلى ذروته حين كان سجن أهم شخصيتين من الشخصيات المستقلة بإقرار وتفويض وتبرير من أكبر شخص في الهيئة الرسمية. ويصعب على المرء وهو يدخل السجن بهذا الوضع المرتبك المضطرب بخصوص قضايا حساسة مثل هذه أن يقتنع أنه يصمد وأن صموده ذو ثمن كبير.
مرة أخرى يتكرر النقص في الجاهزية النفسية والاستراتيجية للتعامل مع قضية حساسة مثل مسالة المرجعية والعلماء ويضاف إلى النقص في الجاهزية في مواجهة بطش النظام فيتضاعف الاضطراب.
جو الانتماء الحركي:
يعيش كثير من الإسلاميين وخاصة الذين جربوا تجربة الانتماء والجو الحركي عقدة هي في حقيقتها من المفارقات التربوية. يفترض أن التيارات والجماعات الإسلامية قد تأسست لتربي الناس تربية متناسقة متكاملة تشتمل على العلم والعبادة والسلوك والاستعداد النفسي والفكري والحركي لكافة الظروف. وتقوم هذه الجماعات فعلا بتربية أفرادها نظريا على كلام كثير مثل هذا بدءا بزخم من المادة النصية وانتهاء ببرامج حركية فيها محاكاة لظروف الجهاد والمواجهة.
لكن هذه الجماعات لديها اعتقاد غريب يكاد يكون مضطردا في معظم التيارات الحركية وهو الظن عمليا وعن دون قصد بأن مصير الإسلام معلق بها ومن ثم فإن حماية كيانها حماية للإسلام. ويبدأ هذا الاعتقاد بسيطا ثم يتحول إلى متلازمة نفسية لدى كل كيان الجماعة مفادها أن أمن هذه الجماعة أولوية الاولويات. وبذلك يصبح أمن الجماعة أمر ينظر فيه ابتداء عند النظر في أي مشروع أو خطة أو فكرة. وتتعقد المسألة أكثر حين تصبح حماية أمن الجماعة مسألة أبعد من مجرد الحذر وأكثر من التخلي عن البرامج والخطط الخطرة إلى الاضطرار لتقديم تنازلات فكرية ومنهجية لتحييد الجهة القوية التي يمكن أن تقضي على الجماعة - وهي السلطة - ويتقادم الوضع والزمن على هذه التنازلات التي كانت مؤقتة في وقتها لتصبح دائمة راسخة متجذرة في التخطيط والتربية والاستراتيجية.
نعم، كثير من المحسوبين على شريحة المستقلين التي نحن بصدها ليسوا من المنتمين ولا من أصحاب التجربة الحركية، لكن سيطرة أصحاب هذه التجربة على بيئة"الصحوة"يجعل الأجواء التي يعيشونها أكثر تأثيرا من غيرهم في الجو العام خاصة أنهم أكثر تنظيما وتكاملا من غيرهم. وبذلك تصبح المفارقة التربوية من متلازمات هذه المجموعة حتى لو لم يكونوا من أفراد جماعة ما، وتبعا لذلك يحسون بأن المواجهة مع النظام أو تحدي النظام مسألة ضارة بالإسلام نفسه لأن هذا ما يتردد في كل أصداء التيارات الحركية.
هذه المفارقة التربوية التي تؤصل من جهة لتربية إسلامية شاملة ومن جهة أخرى تؤصل لتجنب المواجهة تساهم وبقوة في حالة الارتباك عند هذه الشريحة وتساهم في نقص الجاهزية النفسية والاستراتيجية للتعامل مع الأحداث.
بذلك في نظري نكون غطينا مناقشة الظروف والأحوال التي حصلت فيها تلك التحولات ولعل في نقاشنا ما فيه جزء من التفسير.
حول دور السيرة الشخصية لقيادات الصحوة في هذه التحولات:
هناك ظاهرة مزعجة عند جمهور الصحوة تتمثل في النظر للشخصيات والناس بـ"سذاجة التنميط"، أي بمعنى أن أي ناشط معين من أي اتجاه لا يمكن أن يخرج عن أحد نموذجين أو نمطين، إما عالم مجاهد أو علماني خبيث، وإن اختلف عن هذين النموذجين فيختلف في الدرجة وليس في أصل التصنيف. ولذلك ما أن يصبح لشخص ما شأن إيجابي لصالح الإسلام حتى تنبري الأقلام والأفهام تثني عليه وترفعه في عليين وتجعله الرمز والقدوة. وفي المقابل ما أن يصدر عن شخص ما أمر مخالف لمسلمات اجتماعية حتى لو لم يكن فيه مخالفة شرعية حتى يصبح علمانيا خبيثا متربصا بالإسلام.
هذه النمطية الساذجة لم تكن مشكلة عوام الإسلاميين فحسب بل كانت مشكلة كثير من طلائع الحركة الإسلامية من التيارات التي يفترض أنها واعية ومدركة ومتابعة. صحيح أنها بدأت تخف الآن بعد أن تعلم الناس الدرس مع تكرر ما يظنونه انتكاسات، لكن الذي أصبح يدرك ذلك الآن ينسى أن الصورة التي انطبعت في ذهنه في الماضي عن هذه الشخصيات لم تكن مرتبطة بوعيه الحاضر بل هي مرتبطة بالانطباع الكلي عند الجمهور المصاب في حينها بسذاجة التنميط.
في الثمانينات وقبل أزمة الخليج وقبل أن تبدأ المواجهة مع النظام ظهر لنا رموز من الوعاظ والقصاصين أخذو قلوب الناس بحلو كلامهم وعذب تعبيرهم وقوة حافظتهم واستحضارهم للدليل الشرعي ولبيت الشعر والنكتة والطرفة وقصص العرب. ولا ننفي أن هؤلاء تركوا أثرا جيدا في التربية العامة وهداية الكثير للإسلام وحسن الاستقامة، لكن المشكلة أن الجمهور افترض أنهم ما داموا بهذه الروعة في حسن التعبير وجمال الخطاب، فهم علماء عاملون مجاهدون قدوات.
أحد هذه النماذج تعرض لتجربة قبل أزمة الخليج ووقف معه الناس وقوفا شريفا فلم يلبث أن خذل الناس خذلانا مخجلا وذهب شوطا بعيدا في استرضاء من ظلمه وآذاه. ومع ذلك بقيت صورة هذا الشيخ صورة المجاهد الثابت الصابر إلى عهد قريب حين صدرت عنه تصريحات فاجأت هذا الجمهور الذي كان مصابا بعقدة سذاجة التنميط ولم يعد كذلك.
نموذج آخر من نفس المجموعة لم يتعرض لأي ابتلاء ولا فتنة بل كشف بسهولة بعد أن ظهر جو التمايز بعد أزمة الخليج وتبين أنه يعيش في كنف الحكام ويتحرك في حدود رضا الحكام بل في خدمتهم. ومع ذلك لم تهتز صورة هذا الشخص إلا بعد أن تكررت الفرص لكشف اتجاهه في الأزمات الأخيرة.
بعد أزمة الخليج وبعد أن بدأ التمايز؛ ظهرت شخصيات أخرى نختار منها نموذجا عجيبا من نماذج التحول الظاهري وهو من طلبة العلم والقضاة المعروفين وينتمي لعائلة كبيرة. تحمس هذا الشخص بعد أزمة الخليج مماشيا الجو العام ووصل إلى مرحلة مفاتحة الشيخ بن باز بأن الملك فهد في حكم السفيه الذي يجب أن يحجر عليه بسبب تبذيره لأموال المسلمين، وذهب إلى مدى بعيد في التفكير حين تحدث عن كتابة دستور دائم للدولة. اندفع الشخص المذكور في عدة أنشطة فيها مواجهة للدولة وكان له حضور بارز في مشروع خطاب المطالب الشهير. لم تكن الدولة بحاجة لأكثر من أن تفصله من القضاء حتى ينهار نفسيا ويصبح في يد الدولة. تبين بالرجوع للوراء قليلا أن التغييرات التي أصابت الرجل سواء في الاندفاع ظاهريا ضد الدولة أو التراجع لصالح الدولة؛ كلها تغيرات ظاهرية والأصل في ثوابت الرجل هو اعتبار أن آل سعود قدر الأمة وأن السياسة في البلد والقرارات كلها تدور في فلك امتلاكهم للبلد. وتأييدا لإيمانه بتلك الثوابت يحكى عنه قبل سنتين في تعليق على خبر تعيين ضابط عسكري في رتبة كبيرة؛ أنه عتب على آل سعود كيف يعينوا شخصا من تلك القبيلة المعروفة بعدم ولائها لآل سعود في موقع حساس.
ثم توالت الانتكاسات والتحولات مع تزايد قوة الامتحان حتى وصلت ذروتها في حملة المواجهة الشاملة والصريحة في أحداث بريدة التي اعتقل فيها الدعاة بالجملة. حينئذ تعرض الجميع - حتى من لم يعتقل - لاختبار كبير يعود بالناس إلى أصولهم ويبين مدى تماسك نفسياتهم وقناعاتهم على الحقيقة وليس على توفر ظروف الدعة والرخاء. وكانت تجربة السجن كافية لأن تبين تلك المعادن وقوة وتماسك تلك الشخصيات ونوعية التكوين النفسي الذي واجهوا به تجربة السجن وفهمهم لدورهم ولما يؤدونه من واجبات.
وقبل أن نطرح تصورنا لهذا التكوين النفسي نعود إلى مسألة"سذاجة التنميط"ونكرر أن جمهور الصحوة كان قبل الحملة يفترض في هذه الشخصيات نموذجية الصبر والثبات وقوة التحدي بناء على المبدأ. واعتبر هذا الجمهور أن التمايز الذي حصل بعد أزمة الخليج كاف لتصنيف هذه المجموعة في صف العلماء المجاهدين الثابتين. وحين حلت الأزمة كان التطلع هو أن هؤلاء القيادات دخلوا السجن عن قناعة كاملة بأنهم على الحق وأنه متوكل على الله فقط ومستعد لتبعات ما عمل ما دام في سبيل الله. لكن التجربة أثبتت أننا أمام نماذج مختلفة تحولت داخل السجن أوحتى خارج السجن دون أن تسجن. هذه التحولات أخذت عدة نماذج نستعرض بعضها في هذه القائمة:
النموذج الأول؛ اندفع في النشاط المعلن الذي في ظاهره مواجهة للدولة عن غير قناعة حقيقية بل كان يجاري التيار العام. وحين بدأت المحنة بدأ داخليا يلوم نفسه ويعود لقناعاته بعجزه وضعفه ويعتبر نفسه مخطئا حين اندفع في مجاراة الجمهور كل هذا الاندفاع. وكان بعض هؤلاء يعاني من عدم استقرار فكري ليس في مسألة العلاقة مع الحاكم فقط بل في مسائل أكثر تعقيدا، مثل قضايا الجهاد والعلاقة مع"الآخر". أما مسألة العلاقة مع الحاكم فقد كانت مضطربة تماما لديه ويعاني فيها من إرهاب فكري ذاتي بشكل مضحك.
النموذج الثاني؛ ظن أن الجمهور والمريدين سيحمونه من بطش الدولة أو على الأقل أن الدولة لا تجرؤ على مواجهة التيار الإسلامي الصاعد لأنها ستخسر خسارة كبيرة. بمعنى أن موقفه في مواجهة الدولة لم يكن بناء على تحمل مسؤولية بل كان مراهنا على أنه إما أن الدولة لا تجرؤ على المواجهة أو أنها ستخسر الكثير إن تركته في السجن وحتما ستضطر لإخراجه من السجن اضطرارا. وحين تبين أن الجمهور أضعف من أن يحمي هذا الشيخ وأن الدولة لا تتهيب من البطش ولم تضطر للإفراج عن الشيخ اضطرارا؛ انكشف أن موقف الشيخ موصول بهذه القضية وليس موصولا بالمبدأ. وينقل عن أحد هؤلاء قوله:"لو كنت أعلم أن الآلاف بيدهم الأوراق ينتظرونني مثلما انتظر المسلمون موقف أحمد بن حنبل لرأوا مني غير ذلك". وكان الرد عليه، أولا؛ بأن أحمد بن حنبل لم ينتظر هؤلاء ليقفوا متطلعين لفتواه، وثانيا؛ بأن هؤلاء الآلاف لم يتمكنوا من نصرة أحمد ولا إخراجه من المحنة رغم انتظارهم لفتواه.
النموذج الثالث؛ دخل في الأزمة وهو واضح المعالم وتحمل المسؤلية فعلا من باب المبدأ، لكنه لم يجرب محنة من قبل ولم يتهيأ نفسيا لمواجهة مع الدولة. وما أن رأى سطوة الحاكم وامتداد نفوذه وانصياع هذه الآلاف من قوات الأمن والإعلاميين والمثقفين لتوجيهاته حتى انبهر وانهارت عزيمته. وحين تراجع عن موقفه لم يعتبر نفسه معلنا الهزيمة بشكل فردي بل نّظر للهزيمة بالمبررات التي تجعل تصرفه هو الأحكم ورأى أن من غير الحكمة مواجهة الحاكم الباطش.
النموذج الرابع؛ تحمل المسؤولية منطلقا من ثبات على المبدأ، وكان متصورا لقوة النظام وبطشه، ومضى في أيامه الأولى صامدا لا يفكر أبدا بتراجع، لكنه رغم قوته ووضوح موقفه كان ينقصه أمر مهم جدا هو طول الَنَفس والمصابرة. كان مستعدا بأن يواجه لشهر أو شهرين أو حتى أكثر، لكنه اكتشف أن القضية ليست شهرا أو شهرين وتبين أنه ليس مستعدا أن يبقى"منسيا"في السجن - هكذا فيما يبدو - إلى الأبد. ومن المعلوم أن الضعف النفسي الناتج عن قصر النفس يصاحبه تحول فكري تدريجي يبرر هذا التخلي. ومن المعلوم أن هذا التحول الفكري لا يشكل بالضرورة انقلابا كاملا بل يكون في إطار ما يبرر التخلي عن الثبات.
النموذج الخامس؛ نموذج متماسك نفسيا وفكريا وعقديا لكنه لا يفهم شيئا في الاستراتيجية ولا يعرف كيف يقوّم ويقدر الحال والأوضاع، وفي المقابل يتأثر بكل من يتحدث له بطريقة الناصح.
هؤلاء كانوا على قناعة بما قاموا به ولكن عندما دخلوا السجن أحسوا أنهم عديموا الفائدة حيث لا محاضرات ولا دروس ولا كتابة ولا تأليف. ولم يقصر بعض من يزور هؤلاء في السجن في تضخيم هذا الجانب والحديث عن أنهم يخطؤون بحق طلابهم ومريديهم إن تأخروا في السجن وحرموا الأمة من علمهم. لا يفهم هؤلاء أن البلد مليء بمن يعلم الناس الصلاة والطهارة والزكاة، ولا يستوعبوا قيمة ثبات الإنسان في السجن كموقف، ولا يدخل دماغهم أن البقاء خلف أربع جدران فيه مصلحة للإسلام بشكل أو بآخر. والمشكلة أن الكثير روجوا لهذا المبدأ حتى صار الذي لا يقر به لا يفهم.
استعراض هذه النماذج سواء من تحول قبل المواجهة الشاملة مع الدولة في أزمة بريدة أو بعدها تدل على أننا لسنا أمام نموذج واحد جامد؛ كان على حق وخير عظيم تعرض لمحنة وافتتن فانقلب انقلابا كاملا. القضية من خلال هذه النماذج التي تمثل غالب أحوال وسيرة القيادات الفكرية والعلمية تعتبر أكثر تعقيدا مما يبدو في أذهان الناس ولعل ذلك يساهم في إزالة سذاجة التنميط.
طبيعة التحولات:
يقع البعض حين يتحدث عن قضية مثل هذه بسذاجة الاختزال ويعتبر كل المسألة محصورة في كلمتين، تحول من الحق إلى الباطل.
أبدًا فالمسألة أكثر تعقيدا من ذلك، لا من حيث أنواع التحول التي حصلت ولا من حيث درجات هذا التحول ولا من حيث طبيعته. نعم! صحيح أن البعض انقلب كل هذا الانقلاب بل أصبح خادما ومنظرا للطغاة أو تخلى عن كل التزاماته الفكرية والعقدية، لكن هذه الحالات القصوى للتحول نادرة جدا، ولن نخدم قضيتنا في فهم ما يجري إن اعتبرناها النمط الوحيد للتحول. وبالمناسبة فإن بعض هذا التحولات إيجابية رغم أن ظاهرها يبدو كأنه هزيمة أو تراجع، وسنرى فك هذا اللغز عند مناقشة أنواع هذه التحولات.
كمقدمة للحديث عن أنواع وطبيعة وشكلية هذه التحولات ينبغي أن نتصور نوعية الثقافة والتربية والتجربة التي مر بها هؤلاء قبل وخلال وبعد مرحلة المحنة، ومن ثم نرى نوعية التحديات التي واجهتهم.
بعض هؤلاء نشأ في بيئة بسيطة جدا وتعلم العلم الشرعي بالطريقة التقليدية ولم يعرف شيئا عن العالم إلا ما علمه في البيت أو مجلس العلم. آخرون كانوا ممن حصل على فرصة التعليم غير الشرعي وربما السفر للخارج للحصول على الشهادات العليا، ومن هذه التجربة تعلموا الكثير عن العالم؛ ثقافة وفكرا وأنماط حياة ومنهج تفكير. غيرهم حصل على فرصة الانتماء الحركي وجرب التربية الحركية والعمل المنظم والتربية على ما يسمى؛ بحمل هم الأمة وادعاء مشروع شامل للإصلاح وتدريب النفس على الطاعة والتنظيم. نماذج أخرى كانت من تيارات غير إسلامية تحولوا إلى إسلاميين وبقوا يحملون في جنباتهم آثار التجربة الفكرية السابقة. ومع تعدد هذه الخلفيات يتعدد شكل التركيبة الفكرية والنفسية والثقافية والاجتماعية لكل صنف وتتعدد من ثم نوعية التعامل مع التحديات.
من جهة أخرى لم يكن السجن فقط هو التحدي الوحيد الذي واجه هذه المجموعة خلال فترة التحول المرصودة، بل واجهتهم تحديات أخرى منها التغيرات الداخلية والعولمة وثورة الاتصالات وظهور نشاط المعارضة في الخارج وظهور التيار الجهادي و"أحداث سبتمبر"وغير ذلك من التطورات الهامة داخليا وخارجيا. ووجد كل من هؤلاء نفسه أمام هذه التحديات من الناحية العملية بمفرده بسبب غياب التشكيلة الجماعية التي توفر الموقف الجماعي والرأي المشترك وبسبب غياب جو الحوارالعام الذي تتوفر فيه الفرصة للجميع لأن يسمعوا رأي الجميع في وقت واحد. هذه الحقيقة تعني أنه حين مرت هذه التحديات على هذه الشخصيات وهي في حالتها الفردية كان رد فعلها النفسي والفكري وتحولها الشخصي متروكا لبنائها الفردي كذلك. وبسبب هذه الفردية مقابل تعقد التحديات تنوعت أشكال التحول وتوفرت فرصة التعقيد في الوضع النفسي والتربوي والفكري والاجتماعي.
وبالطبع لا يستطيع أحد أن يضع قوالب محددة لنوعيات التغيير والتحول، لكن من الممكن وصف أشكال مختلفة لهذا التحول ربما تعرّض البعض لأكثر من شكل واحد منها. ومن المهم أن نشير إلى أن هذه التحولات ليست كلها سلبية بل إن بعض من مروا بتجربة السجن حصلت لهم تحولات إيجابية ونضج كبير جدا.
التحول النفسي:
النوع الأول؛ هو التحول في الحالة النفسية من حالة الاستقرار والقوة والتماسك والثقة بالنفس إلى حالة الضعف والقلق والاضطراب واعتقاد أن كل أدوات القوة بيد السلطة. ولا شك إن هذا حصل بدرجات متفاوتة، فقد يكون سيئا لدرجة حالة انهيار نفسي وقد يكون محدودا جدا ينحصر في الأقرار بالهزيمة.
لم يقتصر الضعف النفسي على مجرد الشعور بالضعف والهزيمة أمام النظام الحاكم بل تجاوزه إلى مجموعة مظاهر من الهزائم النفسية كشفت ضعف التكوين التربوي عند الكثير رغم ما بدا وكأنهم قيادات في التربية والجهاد. من أهم هذه المظاهر فقدان الثقة بين الإخوان وتغلغل الاعتقاد بأن النظام اخترق كل الناس وأنه لا يمكن الثقة بأحد مهما كان، ومن ثم لا يمكن أن ينجح أي مشروع معتمد على الكتمان. ومن مظاهرها كذلك اعتبار كل الأساليب التي كان لها دور في حصول المحنة؛ وسائل خاطئة ينبغي التخلي عنها، ولم يتورع البعض عن التنظير صراحة وعلى صفحات الصحف لتخطئة النفس حين قامت بتلك الأعمال.
في مقابل هذا الضعف النفسي أدت التجربة لمفعول معاكس عند بعض الشخصيات حيث حولتها لمستوى أكثر تماسكا وقوة وثقة بالنفس. والسبب هو أن التحديات كشفت أن الخصم ليس بيده إلا البطش والقمع بينما كانت الصورة عنهم أقوى من ذلك. وأدى انكشاف تهافت صورة الخصم إلى مزيد من الثقة بالنفس ومزيد من القناعة بما هم عليهم بعد أن كانوا مترددين.
التحول في الموقف الشرعي من النظام: