[الكاتب: أبو عبد الله عماد بن عبد الله التونسي]
بعد أحداث 11 سبتمبر المباركة كثر ظهور محسن العواجي على وسائل الإعلام وطرح نفسه كمفكر إسلامي ورائد لتيار وسطي بديل هو في الحقيقة أبعد ما يكون عن الطرح الشرعي وأقرب إلى الطرح العقلاني المائع الذي انتشر هذه الأيام. فكتبت يومها في التحذير منه ومن طروحاته، وذكرت أن هذه الطروحات تروّج اليوم حتى تكون بديلا للتوجهات الشرعية والخطاب السلفي الذي كان يتزعمه مشايخ الصحوة من أمثال سفر وسلمان.
لم يخطر ببالي، ولا ببال غيري، أن يأتي يوم نرى فيه سفر الحوالي أو سلمان العودة يحمل الراية عن العواجي ويصير ربانا لهذه السفينة المخروقة. فمن تربى على لغة الخطاب الشرعي وربى به ووجه غيره وخالطت حلاوته بشاشة قلبه فهو أبعد ما يكون عن هذه التوجهات التلفيقة التي يتزعمها العواجي وحزبه. لكن الله غالب على أمره والقلوب بين إصبعيه يقلبها كيف يشاء.
وشاء بحكمته وعدله أن يلتحق القادة بالخوالف وأن يصير الحال على ماهو عليه الآن والله المستعان.
جواب السؤال يحتاج أن نذكر أن حكم آل سعود يستمد شرعيته من السلطة الدينية في البلاد، فهي التي كانت تسدده لما كان حكما سلفيا مجاهدا كما في زمن الشيخ محمد وأبنائه، وهي التي ترقع باطله كما صار الحال إليه في حكم عبد العزيز بن عبد الرحمن وأبناءه. وقد كان لموت الشيخين عبد العزيز بن باز و محمد العثيمين أثرا شديد في تهديد شرعية هذه الدولة أمام صواعق الشيخ الشعيبي وتلاميذه وتهديدات الشيخ أسامة لإقتلاع هذا النظام الذي لا يصلح لا للدين ولا للدنيا.
البديل الموجود حينها والمتمثل في علماء آل الشيخ كان غير قادر على سد هذه الفجوة. خاصة أنها زادت اتساعا بعد أحداث سبتمبر وفي حرب العراق فترقيعاتهم وتلبيساتهم لمنع الدعاء والقنوت والعمليات الإستشهادية وإباحتهم للأحكام الوضعية وسكوتهم على قتل إخونهم مقابل صريخهم وعويلهم على موت اليهود والنصارى افقدهم كل شرعية ومصداقية أمام العامة قبل الخاصة، بل وأفقدهم المصداقية حتى عند حكام آل سعود أنفسهم، لما يعلمون عنهم من بعد عن الزهد في أموالهم وعطاياهم كما كان الحال مع غيرهم.
فما الحل؟
الحل؛ أن يأتوا بمشايخ لهم سلف في الدعوة والإصلاح والمعارضة ليعلبوا هذا الدور، دور إضفاء الشرعية على هذا النظام المتهرئ، دور شيوخ التجهم والإرجاء في كل زمان.
لم يكن من الصعب حينه أن يلعب محسن هذا الدور فبضاعته في العلم مزجاة و فهمه لمسائل الكفر والإيمان لا يبتعد عن فهم العوام الذين يحسنون الظن به. لكن النصر الكبير الذي حققه نايف وجماعته في هذه الجولة هو تمكنه من وضع يده في يد سلمان وسفر بينما تمسك الأخرى بيد بوش! فهما على قدر عال من العلم ولهما ثقة وشعبية عند الخاصة والعامة بل ولهما سبق في فضح هذا النظام والكشف عن كفرياته وعمالته.
لا ادري كيف تمت الصفقة وما هي بنودها، ولا أدري كيف صار المحذر من الإرجاء منظرا فيه، ولا دري كيف اكتسب النظام شرعيته مع تضاعف كفرياته عند الحرب على العراق، لكني سأحوال استعراض بعض نتائج هذه التحالف وتداعياته لنعرف ماذا خسر المشايخ فيه وماذا ربحوا إن كان هناك ربح!
وأبدأ بآخرة الأثافي: الصفعة التي وجهها نايف لسفر والطعنة الخبيثة التي تليق بأمثاله لما خفر ذمته وأبطل عهوده وأفقد ثقة من بقي يثق فيه. . .
{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} ، فمسارعة نايف الغبي بتكذيب سفر وتسفيه كلمته منعت تكرر حادثة الفقعسي فك الله أسره، وردت من كان يهم بتسليم نفسه، وبينت لسفر ولغيره قدرهم عند هؤلاء الطواغيت.
كان من المفروض أن يكون سفر شفيعا في الخير ورادا للظلم، وكان من المفروض أن يعمل على فك أسر نساء المجاهدين وأهليهم بغير ظلم من السجون التي جربها سفر وغيره وعلموا أنها فتنة على الرجال قبل النساء والشيوخ، وهذه سابقة خطيرة لهذا النظام لم يسبق إليها إلا الأنظمة المجاهرة لحربها على الإسلام من أمثال تونس ومصر. لكن أبى سفر إلا أن يكون شفيعا في السوء وعونا للباطل على الحق وسعى لتسليم الفقعسي نفسه، فكان ما كان، ولا تذكر القصة أنه قد تم الإفراج عن أهله وذويه، ولا حول ولاقوة إلا بالله.
وهنا وقفة مع إخواننا المطاردين: أهلك وذويك ليسوا أعظم حرمة من إخوانك المجاهدين وتسليم المجاهد نفسه وتعرضه للتعذيب المحتوم يتعدى ضرره إلى إخوانه وعوائلهم أيضا لما فيه من كشف أسرارهم و فضح المجهولين منهم، فالأهل مصيرهم إلى الخروج مهما طال الأمر، خلافا لك ولإخوانك فلا أرى أن يسلم أحد نفسه بهذه الطريقة، فاصبر واحتسب الأجر عند الله حتى لا تصير هذه الطريقة في التعامل سنة عند الطواغيت للضغط على الإخوان وأهليهم، فلو أيقنوا أنهم لا يسلمون أنفسهم لم يلجأوا لذلك.
و قد يقول قائل أن هؤلاء المشايخ قد توصلوا إلى ما يرمون إليه من منع تكرار أحداث سبتمبر كما صرح أحدهم، ومن تعطيل مسيرة الجهاد في الجزيرة، ومن تزيين صورة النظام أمام مريديهم حتى أصبح الجامية يطيرون بأقوالهم، فهل نعتبر هذا ربحا لهم؟
فنقول: كيف يكون ربحا وهؤلاء المشايخ يرون عيانا كفر النظام وعدم مشروعيته، فأي ربح يرجى من تلبيس حاله على الناس؟ كيف يكون ربحا ومحبيهم ينفضون عنهم ويتنكرون لهم أكثر فأكثر ولم يبقى حولهم إلا سفهاء الأحلام من القعدة الذين يبحثون لهم عن قشة يتعلقون بها لتبرير قعودهم؟ وكيف تكون خسارة لأهل الجهاد وصفوفهم تتمحص وابتلاءهم يشتد آذانا بقرب النصر والتمكين بإذن الله. كيف يكون ربحا وقد عادوا إخوانهم من المجاهدين وصاروا عونا عليهم! كيف يكون ربحا والطواغيت يضحكون عليهم ويستعملونهم في شرهم وتنازلاتهم تزداد يوما بعد يوم؟ كيف يكون ربحا وهم يفعلون ما يمقتون ويعانقون الرافضة والعلمانين والوطنيين الذين لا يرقبون فيهم إلا ولاذمة؟ بل هي الخسارة كل الخسارة أن يتنكر الرجل لنفسه ومبادئه ويعيش على أوهام أمضى حياته في جهادها و حربها، فلا حول ولاقوة إلا بالله.
مسيرة الجهاد ماضية بإذن الله، وإن كانت تتعطل من حين لآخر فهذا من قدر الله وسنن الإبتلاء لعباده لتعود بعد ذلك المسيرة أشد وأنكى في العدو. وقطار التاريخ يمضي بعد أن كان للمشايخ دور في تحريكه، ركوبهم فيه أو قعودهم لا يقدمه لا يؤخره.
نسأل الله الثبات.
[بقلم؛ أبي عبد الله التونسي]