علينا فما نَنفكُّ نُؤذى ونُضرَبُ ... بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليم مزيدا.
أما بعد:
إنَّا منذ طوينا نفوسَنا على عزيمةٍ حذَّاء، أضرمتها الغيرةُ على دين الله تعالى وزادتها على مر الأيام ثباتًا ورسوخًا، أنفةُ المؤمن أنْ يُقهرَ مؤمن، أو تُغصب أرض، أو يُنال من شريعة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
وإنَّا منذ عقدنا البيعةَ على تَطَلُّب الجنة في حَنَك الحتوف , نحملُ ثمنَها بين أكتافنا أعناقًا تُدَق، وبين جنوبنا أرواحًا تُزهق.
منذ وطِئتْ أقدامُنا طريقَ الجهاد، واختارنا الله في زمن القعود لتسنُّم ذَرْوَة إسلامه به نعلمُ علمَ اليقين، أنَّا نعالجُ أمرًا أهونَ المصاب فيه القتل، فاعتصمنا بالله نتبعُ خطى إخوةٍ سبقونا، تفوحُ من آثارهم رائحةُ الجنة؛ نبغي ماعند الله واليومَ الآخر {لانريد منكم جزاء ولاشكورا} .
ولقد وطَّنَّا أنفسَنا على مالا يَنفكُّ عنه طريقُ الجهاد، مذ كان جهاد.
استعذبنا وعدَ الله، فهانت المَشقَّة، وقرُبت الشُّقَّة.
ووالله إننا اليوم لنجدُ الغربةَ التي وعِدنا بها؛ استوحش منَّا الصديقُ، وتبرَّأ المرتابُ صرنا غَرضَ الألسنة، وبُغيةَ الأنظمة، رمتنا الأممُ كلُها عن قوس واحدة.
إذا ما نزلنا منهلًا صاحَ أهلُه
ولكنَّه همٌ وثانٍ وثالثُ ... وليس والله يصرفنا هذا"الوَخْزُ"عما عاهدنا عليه الله، حتى يُتمَ الله ُوعدَه أو نهلكَ دونه.
فلقد جعلنا دَبْرَ أُذننا جَمْجَمَةَ كلِّ مُغرِض، وشِنْشِنةَ كلِّ أخْزَم، فَقَبلُ لم يُعصَم منها خيرُ مَنْ لبس مِغفرًا، وأكرمُ من قبض نصابَ سيف صلى الله عليه وسلم.
حتى ألجَأنا اليوم إلى هذا القول، ما لايُصبَرُ عنه، إذ لم يكن يُحذرُ منه، فنالنا بشئٍ مما كنَّا نعهدُه مِن غيرِ أهلِ العَدْل، مَنْ حسبناه يُلزِمُه دينُه إنْ لم يقُل خيرًا أنْ يَصمُت. فكان مالا نجدُ منه بدًا، حين وقعَ مالا نجدُ عنه مفرا.
ونعني بهذا ما قاله الشيخُ محمد المختار الشنقيطي [1] ، في مجلس من مجالس شرح سنن الترمذي بجدة.
فيا ليت أنَّ الشيخَ كان سكت، حين أطلق حِبى الوقار بما لا يليقُ بأهلِ العلمِ والتثبُّت.
جاء ما نهى عنه، وحلَّ ما أوكأ عليه، وجالَ جولةً لايُضرَبُ في مِضمارها إلا وجهُ كريم.
ألا ما أغنى الشيخ عمَّا قال.
وإنَّ للقول لمرادٍ كمرادي السهام.
{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} .
وقد كان سبقَ للشيخ أنْ نالَ مِن المجاهدين عقِب أحداثِ الثلاثاء الأبيض، ووصفَ شهداءَ غزوتي نيويورك وواشنطن كما نحسبهم بقلَّة العقلِ والعلم، فاحْتمَلنا ذلك على مَضَضَ، وأغضينا صونًا لجماعة المسلمين على قذى، حتى كان ما كان منه هذه الأيام فاتَّسعَ الخَرْقُ على الرَّاقع.
لو كان همًَّا واحدًا لاحتَملتُه
وحظُّ كلِّ مُحِبّ ٍمِنكُمُ ضَغَنُ ... ولو كان يُحابى في الدين أحدٌ؛ لما سُمعَ دَفُّ نَعلَي بلالٍ في الجنة، وتبت يدا أبى لهب وتب.
"ألا لا يمنَعَنَّ رجلًا هيبةُ الناس، أنْ يقولَ بحقٍ إذا علِمه".
إنَّ ما نطقَ به الشيخُ في أمر المجاهدين، وشأنِ الجهاد، وحكمِ ولاة الأمر؛ لو كان يستندُ إلى أسسٍ علميةٍ جليَّةٍ، ويحملُ طابعَ اللغةِ الفقهيةِ المعتبرةِ عند الحكم والاستدلال كما عُهدَ منه في دروس الفقه لهانَ الخطبُ، ولاستطعنا أنْ نناقشه فيما رأى بما رأينا، ولبَينَّا له المسائلَ بدلائلها، والمسالكَ بمنازعِها؛ حتى يَتبيَّنَ له أنَّ لنا فيما ندينُ الله َبه مستندًا من كتاب، وأثارةً من علمٍ وسنة، وسلفًا مِمنْ غَبرَ مِنْ أعيان الأمة.
غيرَ أنَّه أطلق القولَ فينا مِن غير تمحيصٍ، مصادرةً، وتَعنُّتا، وقرَّرَ الأحكامَ على سيرةِ المجاهدين من قبيل"حرام"و"لا يجوز"و"بأي دليل"من غير أن يُفصِّلَ القولَ، ويكشفَ عن وجه الصواب فيه، وإنما يَزِّفُ ذلك كلَّه للقلوبِ، والعواطفِ عن طريق الترهيب بالله، واليوم الآخر، والنار، والمقام بين يدي الله.
وهذه صيغٌ من القول، يلينُ لها قلبُ كلِّ مؤمنٍ يخشى الله، َفكيف يجوزُ استغلالُها في حملِ الناس وزجرهم بها، حتى يصيروا إلى ما يريدُ لهم المتكلم، وهل غَفلَ المجاهدون عن هذه المعاني العظيمة، عن الجنة التي يطلبونها، والنارِ التي يخشونها، واليومِ الآخر الذى يرجونه، ومقامِ الله الذي يخافونه.
لقد أدارَ الشنقيطيُّ حديثَه على جُملةٍ من المغالطات، نوجِزُها ونوجزُ الحديثَ عنها فيما يلي:
أولًا:
تعريضُه بالمخلصين من قادة الجهادِ، ولَمْزِهم على نحوٍ لا تُقرُّه شريعةُ الإسلام، ولا يتناسبُ مع أدبِ العلم وسَمْتِ العلماء.
قال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} وذلك حين عرَّضَ بمَن وصفهم بالمُغَرِّرين بشبابِ الأمَّة، المُسَمِّمين لأفكارها عبر القنوات الفضائية، ثم تجاوزَ القولُ بالشنقيطيِّ إلى الحدِ الذي لايُتوَقَّعُ من شيخٍ مثلِه يوصي دائمًا بحفظِ اللسان، والتَّنزُّه عن الهَمزِ واللَّمْز، وذلك لمَّا وصفَ هؤلاء القادةَ بأنَّهم قد يَخدعون الناسَ بـ"لفِّ العمامة، وإطلاق اللحية"فمتى كانت العمامةُ واللحيةُ سُبَّةً لأصحابها؟! ومتى كانت هذه السمات مخادِعةً للأمَّة؟! إنَّ الله أمرنا أنْ نَتَحسَّسَ الخديعةَ، وخَبيء الفتنةِ، في لَحن القول لا في شِعار أهلِ الإسلام الظاهر، قال الله تعالى: {ولتعرفنَّهم في لحن القول} نسألُ الله َالسلامة.
وإنَّا سائلوا الشيخَ هاهنا من يقصد بتعريضه هذا؟
إنَّا لم نجد أحدًا يَصدقُ عليه وصفُ الشنقيطي، سوى قائدِ المجاهدين العرب في هذا الزمان؛ الشيخ أسامة بن لادن.
فيالله ما أبرَّه بأمَّةٍ يَعُقُّه قبلَ عامَّتها أهلُ العلم ِفيها.
جزاءُ كلِّ قريبٍ مِنكُمُ مَلَلُ
وفي حياتيَ ما زودتني زادي ... مما اتهم به الشنقيطي دعاةَ الجهاد ماسمَّاه بالـ"تهييج"والذي عبَّرَ عنه الله َفي مُحكَم التنزيل بالـ"تحريض"، كما قال تعالى {ياأيها النبي حرِّض المؤمنين على القتال} .
ونحن جميعا نعلمُ أنَّ الشيخ أسامة قد تبنَّى هذه السنةَ الشرعية َفي زمن الناس هذا ولايزالُ يحرِّضُ المؤمنين على الجهاد. وإننا لا ندري مايهدفُ الشنقيطي من وراء استبدال لفظ"التحريض"بـ"التهييج"فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ومما يدلك على أنه يقصدُ بلمزه هنا الشيخ َأسامة، زعمُه أنَّ هذا الذي يقومُ بتسميم أفكارِ الشباب زعم قد قسَّمَ العلماءَ إلى فريق ٍفي الجنة، وفريق ٍفي النار، ولا تخطئ عينُ عاقلٍ أنَّه يومئ إلى إشارةِ الشيخ بانقسام العالم ِبعد الحادي عشر من سبتمبر إلى فسطاطين.
وكذلك ذكرُه أنَّ الأمَّة مخذولةٌ، وهذا يُعرَفُ من قول أبي عبد الله أيضا. ولا ندري إن كان الشنقيطيُّ يُنكِرُ هذا أيضا.
ثانيًا:
ومما لا نرتضيه من حديث الشيخ، تعريضُه بأهل العلمِ الذين عُرِفَ لهم فضلُهم ومنزلتُهم، وتسفيهُه لآرائهم، بأغلظ عبارة وأشنعِها، وذلك عند ذِكرِه لمَنْ يرى أنّ الجهادَ فرضُ عين، والشيخُ لايرى ذلك، فحملَه خلافُه لهم على التعدِّي على الأمواتِ منهم، والتهكمِ بالأحياء، فقال: (يقولون فرضُ عين وهم يشربون القهوة ويأكلون المندي) !
أيُّ كلامٍ يُجيزُه عالمٌ هذا؟!
إنَّ الذين قالوا بفرضية العين، علماء قرأوا العلمَ قبلَ أنْ يعرفَ الناسُ الشيخ، قاله من الأمواتِ الشيخُ حمود الشعيبي رحمه الله، وعبد الله عزام رحمه الله، ومن الأحياء الشيخ علي الخضير، وسليمان العلوان وغيرهم.
أم أنَّ العلمَ أصبحَ عند الشنقيطي حِكْرًا على مَنْ تَمنحُ له الدولةُ كرسيًا في جامع، أو جامعة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثا:
نعتُه الشبابَ الغيورَ الصادقَ مِْن هذه الأمَّة بالرَّعاع الهَمَل، الذين يتبعون كلَّ زاعقٍ وناعق، وجعلُه الزاعقَ الناعقَ كلَّ من ينادي للجهاد، ونُصرَةِ الأمَّة، ثم يصفُ نفسَه بعد ذلك بأنه أمينٌ على شباب الأمَّة هؤلاء!
حسنًا فأين أنت يا مؤتمن عمَّن ضجَّت بهم السجون ظلما، وقُعد لهم بالمرصاد في كل ريعٍ ومسلك، طُردوا من أعمالهم، ومُنعوا من أموالهم، وحُرموا من آبائِهم وأمهاتِهم، وأبنائِهم وبناتِهم.
لا ألفيَنَّك بعدَ الموتِ تَندُبُني
على أيِّ جَنبٍ كان في الله ِمَصْرَعِي ... رابعًا:
أمّا ثالثةُ الأثافي، وقارعةُ الحديث أجمع، عقدُه الأيمانَ المُغلظةَ، والأقسامَ المُؤكدةَ، على أنَّ حكامَ هذه البلاد، هم حماةُ بيضةِ الدين، وخُدَّامُ الإسلام والمسلمين، وتأولُّه الأحاديثَ في سبيلِ إثبات ذلك، ثم كالَ لهمُ المديحَ جزافًا، وصارَ يَهرِفُ بما لا يعرفُ، وأعلنَ على رؤوس الأشهادِ أنَّه يَعقِدُ قلبَه على حبِّهم.
فنقولُ له:"أنت مع من أحببت".
وإنَّا لنقسمُ فوقَ ما أقسمَ، أنَّ مَنْ له أدنى مِسْكَة من عقلٍ، أو ذرَّةٍ من ورع، لايُجازفُ بالقول على هذا النحو.
أيُّ حكامٍ يتكلمُ عنهمُ الشيخ؟!
أحكامُ العهودِ الأولى؟! مَنْ ورثوا العلمَ والدينَ وساسوا به الدنيا والمسلمين.
إنَّ أقلَ مايُؤخذُ على مَنْ عناهم الشيخُ، أنهم أذِنوا لأوكارِ الربا، وجحور المرابين أن تملأ أرجاءَ مكة والمدينة"بيضة المسلمين"!
فضلًا عن التحاكم إلى شريعة الأممِ الكافرة، وفضلًا عن موالاتهم الكفارَ، وتعطيلِ الكثير من أحكام الشريعة، واجتراحِ أحكامٍ لم يُنزل بها الله ُسلطانًا.
وقل ماشئتَ في الظلم، المكوسِ، والسَّرَفِ، والصَّدِ عن سبيل الله.
وايمُ الله لايجتمعُ حبٌّ صادقٌّ تامٌّّ لله ورسوله، وحبُّ هؤلاء في قلبٍ سليم.
ثم إنَّ منهجَ أهلِ السنة والجماعة المُتقرِّرَ عندهم قديمًا وحديثًا، عدمُ جوازِ الثناءِ على ولاةِ الجورِ حتى لايَغترَّ بهم عامةُ الناس، فيرون خطأهم صوابًا، وبدعتَهم سنة.
إنَّ الغرضَ مِنْ هذا البيان تنبيهُ الناس إلى ما وقع فيه الشيخُ من المغالطات؛ إذ الشيخُ مُتَّبعٌ مقتدى به، ونداءٌ للشيخ كيما يراجعَ نفسَه، ويتقي الله َفيما قاله، فإنَّ على لفظه رقيبًا عتيدًا، ولذا أعْرَضْنا عن الرَّدِّ المُفصَّلِ على كلِّ ماجاء به.
ونحن لم نخاطب الشيخَ سرًا لعدةِ أمور:
1)أنَّ مقالتَه سرَتْ بها الركبانُ، وطارَ صيتُها، فكان لزامًا أنْ يكون الإنكارُ بقدر الذيوع.
2)أنَّ الشيخَ نُوصح سِرًَّا في خطابٍ له سابق على هذا، فغضبَ أنْ يُناصح وأنكرَ في محاضرةٍ له في جامعة أم القرى هذه المناصحةَ، وعدَّها تَعَدٍ على حقوقِ العلماء ومراجعةً لهم، ليست من خُلق طالبِ العلم!!.
وأخيرًا:
فإننا نَربأ بالشيخ أنْ يسلمَ منه في حُلكَةِ هذه الأحداثِ، الصليبيون وهم يقصفون المسلمين في العراق ساعةَ حديثه هذا، ويسلمَ منه المنافقون من أوليائهم، ويسلمَ منه ملاحدةُ الصُحُفيين الذين يهزؤن في صُحفهم بشعائرِ الدين، من الحجاب إلى عبادة الاحتساب، ويسلمَ منه العلمانيون الذين يكيدون الدسائسَ، ويرصدون لنا مكرَ الليلِ والنهار.
يسلم ُمنه كلُّ هؤلاء، ويُرمى به أهلُ الجهاد، الذين قلَّ نصيرُهم، وملَّ عشيرُهم واستوحشت منهمُ الأرض، وتَطَلَّبتهمُ أيدي الفجار، يتذرعون الأرضَ هربا، ويلجأون إلى مالا يَرتَضونَه مِنْ الفعلِ كَرْها؛ يتخفون به عن أعينِ المتربصين.
فلهمَ الله، وإنْ قتلوا، وإنْ أُسروا، وإنْ بيعوا بالدراهم كما تَفجَّعَ بذلك الشيخُ؛ فقبلُ باعَ الأعرابُّ خبيب ابن عدي لأهلِ مكة، فقتلَ صبرًا وهو ينشد:
ولستُ أبالي حين أُقتلُ مسلمًا
يباركْ على أشلاءِ شِلوٍ مُمَزَّع ... وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يشأ
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
1)في أثناء درس من دروسه التي يلقيها بجامع الملك سعود بمدينة جدة، وكان ذلك يوم الأربعاء 16/ 1/1424 هـ