فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 295

[الكاتب: مشعل العماري]

شيءٌ واحد فقط هو الذي جعل أقوامًا من تيارات وملل متناحرة متضادة؛ تتحد وتجتمع، وهي التي كانت وما تزال يلعن بعضها بعضًا في بقية أمورها.

ألف وأربعمائة سنة مضت على مؤتمرٍ مماثلٍ عُقِد في مكة، اجتمع فيه أشقياء القوم لمناقشة قضية واحدةٍ فقط وإيجاد حل جذريٍ لها، وهي نفس القضية التي يجتمع السفهاءُ من أجلها اليوم، إبليس هذه المرة - وكتلك السابقة - تواجد بقوة بآرائه ومقترحاته، ولم يكن فقط متلبسًا بصورة"شيخ نجدي"، بل تلبس وظهر بصور وأشكال متعددة من شتى بقاع الجزيرة ومختلف أصقاعها، والعجيب أيضًا أنه في هذه المرة كان يحمل فكرًا"أمريكيًا متصهينًا"بدل الفكر الجاهلي القديم الذي كان في داخله.

نعم ... فئات متناحرة جدًا، أناسٌ متفرقون إلى أبعد درجة، لكنهم تحت ظرفٍ ما، ولأجل مصلحةٍ ما؛ اجتمعوا واتفقوا على أصل واحد، وهو حرب المجاهدين الموحدين، الذين كفروا بالطاغوت وسفَّهُوا أحلامه.

اجتمع الفرقاء على حربهم واتفقوا، وإن اختلفوا في التفاصيل، ثم دبَّجوا عريضة البيان وقدموها للطاغوت، ويومها كلٌّ غنى على ليلاه.

إنَّ فسطاط الإيمان فسطاطٌ نقيٌ جدًا، لا يمكن أن يضم في داخله تياراتٍ متناحرةً، متضادة، متلاعنة، مختلفة في الأصول، وإن اتفقت في بعض الفروع، لكنّه فقط يضم أهل الإيمان النقيِّ الخالص، المتفقة أصولهم على توحيد الله وحرب البغي والظلم والعدوان.

وفي المقابل؛ فإن فسطاط"بوش"اللعين، هو وحده فقط الذي يمكن له احتواء أصحاب الأفكار المتناحرة المتضادة، والتيارات المتعاكسة، ما دامت تتوافق في نقطة واحدة - ولو اختلفت في كل النقاط - وهي حرب وعداوة المجاهدين، أو كما يسمونها"حرب الإرهاب".

لن يهمنا الإغراق في دراسة التوصيات الختامية للمؤتمر ونقدها أو نقضها، لأنك إن علمت دوافع إقامة مثل هذه المؤتمرات وأسبابها توقعت أي شيء يصدر منها.

ونحن حقيقة ... نجد أنفسنا مضطرين للحديث عن أصنافِ وتيارات المشاركين في المؤتمر، والذين رغم عداواتهم، واختلافهم في الأصول، واعترافهم بذلك، إلا أنهم اتفقوا ضد المجاهدين؛ لتعلم مقدار الخيانة التي يحملها أعضاء المؤتمر في دواخلهم، ومقدار الخطر الذي يشكله المجاهدون على أهل الفساد في هذا الزمان - أيًا كان شكل فسادهم وخبثهم - وحتى لو تمسحوا بالدين وارتدوا لباس العلمِ والدعوة، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} .

حينما نريد أن نصنف المشاركين في المؤتمر، بشكل ليس بالتفصيلي المطول، ولا بالمختصر المجمل، فإنَّا لن نجدَ أفضل من هذا التصنيف [1] :

أولًا؛ الإسلاميون الصحويون أو الحركيون:

وهم مجموعة من المفكرين والمثقفين والدعاة الإسلاميين والذين ينتمون إلى خلفيات منهجيةٍ متنوعة من وسطيين، وسروريين، وإخوانيين، يغلب عليهم ادعاء التوجه الإصلاحي، وفق أمزجتهم ونظرتهم الخاصة.

وهؤلاء فيما بينهم غير مختلفين في الأصول أو متناحرين - على الأقل أثناء حضور المؤتمر - أما في مجملهم؛ فهم أضداد واضحون لمعظم التصنيفات المشاركة الأخرى، وتجد ذلك واضحًا في أدبياتهم وتصريحاتهم الجديدة والقديمة ...

· فالعلمانيون؛ في نظرهم كفرة مرتدون [2] ، يحملون فكرًا منحلا ورغبة في تغريب وعلمنة البلد، وهم أعداء حقيقيون للمظاهر الإسلامية.

· والشيعة كذلك؛ روافضٌ ومشركون أنجاس.

· والمشائخ الرسميون والجامية؛ جامدون صامتون وسبب رئيس في تأخر وتعطل الدعوة، بل وربما كانوا سببًا رئيسًا في زجهم عدة سنوا ت في السجون، أو منعهم وإيقافهم عن إلقاء الخطب والدروس!

وهكذا تكون تصنيفات التيارات المشاركة في أنظارهم.

وهذا الصنف هو أكثر الأصناف خسارة في المؤتمر، فهم إضافة إلى خسائرهم العقدية الفادحة، والتي تمثلت في وقوفهم مع شر خلق الله من علمانيين ورافضة وطغاة في وجه المجاهدين المخلصين، لم يستطيعوا تمرير أبسط المطالب التي يريدونها، والتي من أجلها يتأولون ويُجَرِّمون أصحاب العمل الجهادي.

وهم أيضًا - وبرغم كل هذا - لم يستطيعوا الوقوف في وجه بعض المطالب، والتي هي - في نظرهم - تهدم جزءًا كبيرًا من مكتسباتهم المزعومة! مثل تغيير المناهج، أو المطالبات المبطنة بتحرير المرأة، وتغريب المجتمع، والتي كانوا سابقًا يحدثون الأمة بطرقِ وخطط العلمانيين لتحقيق أهدافهم ومآربهم في هذا المجال، ولكنَّ الأمة بعد دوران عجلة الزمن؛ وجدت أسمائهم في بيان المؤتمر الختامي، مناديةً بتنفيذ تلك المطالب والخطط، ولا داعي للزعم بأنهم لم يكونوا راضين عن بعض المطالب، فهم الذين قالوا في تصريحاتهم وعبر منصاتهم الرسمية أن المطالبات في البيان الختامي تمثل وجهة النظر المشتركة بين المؤتمرين، وأنَّ على الدولة إيجاد آليات فعالةً لتنفيذها [3] .

والمصيبة التي جنوها بأيديهم ومحض إرادتهم؛ هي استخدامهم من قبل الكفر والصليبية العالمية كأحجار في رقعة شطرنج، يحركها في خدمة مصالحه الكبرى في المنطقة - كما سنبين ذلك لاحقًا بإذن الله -

والعجيب أن هؤلاء وبرغم كل التنازلات والطوام التي قدموها، لم يزدادوا إلا احتقارًا وازدراءًا من قِبَلِ المشاركين في المؤتمر، أو من لجانه التنظيمية على حدٍ سواء، حيث تم استبعاد بعضهم عن اللقاء الثاني، كما قد يستبعد البعض منهم من المؤتمر القادم!

وهم أيضا إضافة إلى سقوطهم من أعين الناس؛ فقد خالفوا أمر الله، لما وقفوا في صفٍ طاغوتيٍ حقير ضد إخوانهم المجاهدين الموحدين، في وقت تزداد فيه جراح الأمة، بسبب خيانات هؤلاء الحكام العملاء الذين كانوا - وما زالوا - في عمل دؤوب لإرضاء الغرب الكافر، وقد تكشفت الخطط واتضحت المقاصد التي يريد العدو الصليبيُّ الكافر تحقيقها في البلد عن طريق تلك المؤتمرات وأمثالِ هؤلاء.

ويكفيك أن تعلم مقدار الهزيمة النفسية التي يعاني منها هؤلاء، بتأملك المشهد الختامي للمؤتمر الثاني، والذي وقف فيه ممثلون عن التيارات المشاركة ليلقوا كلماتهم الختامية أمام"الأمير الأبكم"عبد الله، والتي تضمنت المطالب التي يتبناها كل فريق وتيار بمنتهى الصراحة والوضوح، بدءًا بالشيعة وانتهاءًا بالعلمانيين.

لكن ممثل الإسلاميين والذي يُنتَظَرُ منه - على الأقل من طلابه وأتباعه - أن يقول كلامًا ذا بال في مثل هذا الموقف وهذه الظرف، كال المدائح الساذجة الباردة للطواغيت، بشكلٍ مقزز ومزعج، وبدون داعٍ أو أي احترام لمشاعر الأتباع والمريدين، حتى قال في نهاية قصيدته: (كُلّنا عبد العزيز) !

ونحن نعتقد أن هذا التصرف الغريب؛ كان شكلًا من أشكال الاعتذار المبطن للطاغوت، وإعلان الندم عن بعض التصرفات الطائشة التي بدرت من بعض الصحويين، حيثُ تردد أن هذا التيار تسبب في مشاكل داخل المؤتمر جراء الإقصاء والنبذ الذي عانى منه من تيارات مشاركة أخرى، والتي رمته بأنه السبب الرئيسي للتطرف والغلو.

ويظل السؤال الكبير؛ ماذا جنيتم من مكاسب يا معاشر الصحويين بعد تنازلاتكم الكبيرة والتي قدمتموها على حساب العقيدة الصحيحة؟!

لا أعتقد أن مكاسبكم تجاوزت لقبًا جديدًا يضاف إلى أسمائكم على اللوحات الإعلانية والدعائية لمحاضراتكم؛"عضوٌ مشاركٌ في مؤتمر الحوار الوطني"!

والله إنا حريصون عليكم وعلى عقيدتكم، ونحن نراكم في كلِّ يومٍِ في حالٍ أسوأ من ذي قبل، فمتى تعون وتعقلون وتخلعون عنكم رداء العصبية الحركية المقيت، والرؤية المصلحية الساذجة، والتي لم تكسبوا منها أيَّ شيءٍ، سوى مزيدٍ من الخسائر ... والخسائر فقط.

خذوا العقيدة الصحيحة بقوة، وأعلنوا براءتكم من الطاغوت ومن كفره وتبعيته للصليب، فوالله لن تجدوا مكسبًا أبقى وأنقى من الصدع بالحق وبيان العقيدة الصحيحة، وجعل أموركم كلها خاضعة لمقاييس الشرع الثابتة التي لا تتبدل.

ونذكر هنا أنه حتى الرافضة وهم أصحاب الفكرة العقائدية المطاطة الفضفاضة، لم يستطيعوا إخفاء الخطر العقدي المحتمل من المشاركة في مثل هذه المؤتمرات، وقد صرح أحدهم وهو من المشاركين في المؤتمر قائلًا: (إن قرار المشاركة في اللقاء الوطني الثاني في مكة المكرمة جاء بعد تشاورات متعددة مع"رموز الشيعة"في مختلف مناطق السعودية، باعتباره أمرًا يخصُّ"العقيدة"، والفشل فيه بمثابة"كارثة عقائدية"لعموم الشيعة) !

ثانيًا؛ المشائخ الرسميون، والجاميّة:

وهذان الفريقان - برغم الاختلافات في الأمور التفصيلية فيما يخص الخلفية الفكرية والتبعية الحركية - إلا أننا نستطيع وضعهم في قائمة واحدة، نظرًا لاتفاقهم في خطوط عريضة تهمنا عند الحديث عن مؤتمر الحوار.

حيث أن الرسميين لا يملكون مبادئًا حركية في حياتهم العملية تتجاوز تمثيل النظام الحاكم والدفاع عنه وإيجاد المبررات الشرعية للطوام التي يقوم بها، فهم موظفون رسميون في الأجهزة الدينية الرسمية.

أما الجامية؛ فهم يتفقون كثيرًا معهم بتأييد الأنظمة الكافرة والمرتدة، ولكنهم يتميزون عنهم بالمجاهرة ببغض ومعاداة الإسلاميين الحركيين أو الصحويين والتبرؤ منهم، وجعل ذلك مبدأً رئيسًا من مبادئهم، حتى بعد التراجعات التي قام بها الصحويون ودخولهم في زمرة المطبلين والمدافعين عن الأنظمة الحاكمة.

ويُنقَل أن"المدخلي"في المؤتمر الأول؛ اتهم الصحويين بأسماء مشائخهم - الذين كانوا متواجدين في المؤتمر - بأنهم السبب الحقيقي للتفجيرات واضطراب الأمن، وأن البلد لم تعرف التفجيرات والإرهاب إلا بعد أن عرفتهم! وكان ذلك في معرض الحديث عن الشيعة الذين وصفوا على لسانه؛ بأنهم مشركون كفرة، إلا أنهم بالرغم من ذلك لم يضروا أمن البلد منذ عرفهم، على العكس من أولئك الصحويين.

وهذا الصنف بكاملة لم يبرح منذ زمن من إصدار الفتاوى الرسمية والفردية التي تضلل بل وتكفر الكثير من التيارات المشاركة في المؤتمر، وقد يكون التكفير أحيانًا بالتعيين، كحالهم مع"محمد علوي مالكي"، أو بعض رؤوس الروافض.

وللمعلومية فإن هذين الصنفين أو التيارين - الصحوي والرسمي - يُنظَرُ إليهما من بقية المشاركين على أنهما يمثلان التيار السلفي المتمسك بسلفيته، ولا شك أنها نظرة قاصرة وساذجة وسطحية، فالسلفية الحقيقية بريئة منهم.

ونشير هنا أن العديد من طلبة العلم والمشايخ والذين في الغالب لا يتبعون لتنظيمٍ حركيٍ معين، ولكنهم يُمثِّلون نسبة لا يُستهان بها، وبرغم قعودهم وتأخرهم عن ركب الجهاد، إلا أنهم رفضوا الدخول في المؤتمر لأسبابٍ عقدية صِرْفة.

ثالثًا؛ المذاهب البدعية المنحرفة من صوفية ورافضة:

وهؤلاء تيارات واضحة المعالم، تسعى لأهدافٍ طائفية معلومة، وهي تعتبر المؤتمر؛ فرصة سانحة لتحقيقها، المهم أن تعلم مقدار العداوة العقدية"الآيدلوجية"بينهم وبين بقية التيارات المشاركة، إلا أن تقاطع بعض مصالحهم مع الليبراليين؛ جعلتهم يشكلون جبهةً شبه مشتركة داخل المؤتمر، وبالذات فيما يخص قضية حرية الأديان، أو التعددية الطائفية والمذهبية، وتعديل المناهج، لتتوافق مع ما يريدون جميعًا.

هذا التيار قد يُحَصِّل مجموعة من المكاسب الوقتية أكثر من سابقَِيْه، كتعديل ما يضره من مناهج العقيدة، أو الانفتاح والحرية المذهبية التي سوف تمكنه من ممارسة كفرياته بعلنية أكثر، وتحت حماية رسمية، لأنهم سيكونون في نظر الدولة؛ مواطنين شرفاء.

رابعًا؛ العلمانيون والليبراليون:

وهم مجموعة من أهل التغريب ودعاة الانحلال والسفور والعصرنة، على اختلاف في الانتماءات المذهبية، والتوجهات الحركية، والخلفيات الفكرية.

وكحال التيارات السابقة فإن هذا التيار في حالة صدام مستمر مع البقية.

فمثلًا الصحويون في نظرهم؛ لا يعدون عن كونهم ظاهرةً صوتية ومجموعةً من الوعاظ المتعصبين الجهلة - حتى من بدَّل منهم وحاد عن الجادة - فهم في نظرهم؛ يريدون إعادة المجتمع إلى الوراء، وهم أيضا - وخاصة بعد التراجعات والانحرافات الأخيرة - قد ينافسونهم في التقرب من الطاغوت ونيل قسم من كعكته، والتي كانت في السابق شبهَ مخصصة للعلمانيين.

والحقيقة؛ أن هذا التيار يتميز بانتهازيته الفعالة وقدرته على اقتناص الفرص بناءًا على الظروف والأوضاع المختلفة، وما ذلك إلا بسبب بنيتهم الفكرية المطاطة، والتي لا تنبني على عقيدة ثابتة سوى الميكافيلية [4] واتباع المصلحة، إضافة إلى الاتفاق الفكري الكامل لهم مع من يحكم البلد.

وهؤلاء قد يكونون أعظم من يجني المكاسب من هذه المؤتمرات، وإن ادعوا عكس ذلك، والدليل هو التوافق التام بين ما يقدمونه في الساحة من أطروحات مع المطالب التي تضمنها البيان الختامي للمؤتمر، والتي كأنما كتبوها بأيديهم، أو التي لا تختلف عن أيادي أسيادهم الأمريكان بشيء قط.

هذه هي التركيبة العقدية للمشاركين في المؤتمر، اختلافٌ في كل شيء، إلا في حرب المجاهدين.

يمكنك الآن أيها القارئ الكريم؛ أن تتوقع مقدار القبح الذي سينتج من هكذا مؤتمر، خاصة إذا علمت أن"ما اتفق عليه المشاركون في جلسات الحوار الوطني وما خلصوا إليه يمثل إجماعًا من كل المشارب السياسية والفكرية التي انضوت في الحوار الوطني" [5] !

تخيلوا شكل هذا الرأي المجمع عليه من قبل هذه التيارات المتناقضة، كيف سيكون منفصلًا كل الانفصال عن روح الوحي السماوي النقي؟! تخيلوا شكل الرأي الذي سيجمع عليه الرافضة والعلمانيين والإسلاميين"الإنبطاحيين"على قضية مثل تحسين وتطوير المناهج الدينية، أو إذابة الفروقات المذهبية، ودعاوى التسامح بين الأديان، أو قضية مثل قضية المرأة، أو ظاهرة الالتزام الصحيح بالدين الإسلامي؟

أخي القارئ ...

هل تتوقع أن يُجْمِع الرافضة، والعلمانيون، وأهل البدع، وجماعة الإنبطاحيين الإنهزاميين، على ضرورة تدريس العقيدة السلفية الصحيحة في المدارس والجامعات؟! أو على ضرورة تطبيق الشريعة كاملة في مختلف مرافق الحياة؟! أو على ضرورة طرد المشرك النجس المحتل من أرض الجزيرة؟! أو على حتمية إعلان الجهاد لتحرير بلاد المسلمين؟!

إن هذا أبعد من نجوم الثريا، ووالله ... يمينا لا أحنث فيها؛ أنهم لن يجمعوا إلا على تغريب البلد، وطمس العقيدة من قلوب الناس، وإبعاد روح الشريعة عن واقع الحياة، وحرب المجاهدين الذين يسعون لإصلاح المجتمع والعالم.

إذن أخي الكريم - وكما أسلفت في البداية - نحن لسنا بحاجة إلى مناقشة بيان المؤتمر الختامي وما جاء فيه ونقض توصياته أو نقدها، يكفينا أن ندرك كنه منبع هذه التوصيات، وكيف اتُّفِقَ عليها؛ لنعلم مقدار القبح الذي ستكون عليه الصورة.

وشيء آخرٌ مهم ...

هو أن نعلم أننا لا نبالغ إذا قلنا أن مثل هذه المؤتمرات تعد جداول أعمالها في واشنطن ولندن، ليكون الهدف منها الإسراع في عملية الانفتاح للغرب، والعلمنة الكاملة للبلد، بدل أن تظل العلمنة في الدوائر الرسمية والسياسية والصحفية، والدليل؛ أن المتأمل في البيان الختامي وتوصياته يجد من الجمل والمطالب التي طالما ترددت في الصحافة الغربية وعلى ألسنة المسؤولين الغربيين، مثل تعديل المناهج الدينية، ومراقبة الأنشطة الخيرية، وقضية المرأة، والحرية الطائفية والمذهبية، وحوار الحضارات، والانفتاح الاجتماعي والإعلامي، الفرق أنها هذه المرة جاءت من أشخاص ملتحين، أو من أشخاص يرتدون غترة بيضاء أو حمراء أو عمامة سوداء، بدلًا من البنطال والكرافتة.

إنها محاولة لإقناع الأمة؛ أن هذه المطالب ما هي إلا رغباتها تقدم بها عنها المثقفون والفضلاء! فبعد أن كانت مطالبات التغريب تأتي بشكل فردي وغير منسق، والتي تظهر أنها لا تمثل إلا شريحة من تقدم بها من مثقفين وسياسيين، أصبحت بفضل هذا المؤتمر [6] مطالب الشريحة العظمى من الناس، والتي لن يكون للطاغوت أي خوفٍ من نتائج تطبيقها.

فهل أدركتم لماذا قلنا إن الصحويين يحققون رغبات وخطط الغرب في المنطقة - شعروا بذلك أو لم يشعروا -؟ فوجود أسمائهم سيكون سببًا لقبول تلك المطالب واستساغتها من قبل عامة وسذج الناس، والتي لو جاءت من الغربي أو العلماني مباشرةً لووجهت بالرفض من الجميع، ولكن اسم الشيخ"فلان"على عريضة تطالب - مثلًا - بتطوير المناهج الدينية، والتي تقتضي بطبيعة الحال حذف مواضيع عقدية تجرح شعور"العم سام"، أو غيره من المطالب الحساسة، جعل التوصيات"جائزة شرعًا"!

ولا يغرنك الصراخ والعويل من قبل الرافضة والعلمانيين؛ الذين يزعمون أن الإسلاميين مرروا ما يريدون من مطالب وفرضوا رأيهم في المؤتمر، فما تلك والله إلا محاولة ماكرة لمخادعة الناس وإيهامهم أن ما في العريضة الختامية"مطالبٌ إسلامية"، أرقت أهل العلمنة ومن وراءهم، ويكفيك فقط أن تقرأها ثم تقرأ مقالًا من مقالات العلمانيين أو الرافضة الداعية"للإصلاح"بزعمهم، لتعلم مقدار توافق العريضة مع ما يريدون ويطرحون.

أخيرًا ...

ننبه أنَّ مسالة الخلاف بيننا وبين هؤلاء الطواغيت؛ خلاف في الأصول - كما قال إمامنا الشيخ أسامة بن لادن - فلا يمكن لنا بحال من الأحوال أن نتحاور معهم، تحت أي حجة أو دعاوى مصلحية، إلا بلغة واحدة، هي لغة"القرآن"والتي تحتم علينا في مثل هذا الحال تطبيق منهج"السيف"مع الذين ارتدوا وخانوا أمة الإسلام الخيانة الكبرى.

وإن أي رغبة في إصلاح وضع هذه الأمة تنسى أو تتناسى جراحها الغائرة، واحتلال أقدس مقدساتها من الصليبيين برضى هؤلاء الطواغيت، ثم تأتي لترسخ مفهوم الوطنية المقيت، أو تحاول أن توهم الأمة ان الإصلاح يبدأ من باب الطاغوت، وأنه يمكن لأمتنا أن تنهض من جديد بغير سبيل الجهاد، هي رغبة ليس لها مكان إلا في عقول أصحابها؛ فهي باطلة شرعًا وعقلًا، والواقع يرفض هذه ويمجها مجًا.

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .

بقلم الأستاذ؛ مشعل العماري

عن مجلة صوت الجهاد / العدد العاشر

[1] ولن نخوض في ذكر الأسماء وفرزها بشكل تفصيلي لعدم اتساع المقام لذلك، وعدم وجود فائدة كبيرة فالمهم معرفة الوضع والأجواء التي عقد فيها المؤتمر، ومعرفة مغزاه وماذا يُراد منه.

[2] كما في أطروحاتهم وكتبهم السابقة التي قبل تعرضهم للسجن.

[3] ذكر هذا موقع الإسلام اليوم على لسان بعض المشاركين في المؤتمر الوطني.

[4] وهو المبدأ الغربي"الغاية تبرر الوسيلة"، نسبة إلى ميكافيللي.

[5] خالد العجيمي في تصريح للإسلام اليوم وهو أحد المشاركين في المؤتمر.

[6] أو على الأقل كما يريدون أن يصدقوا هم، أو كما يريدون منا أن نصدق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت