[الكاتب: مشعل العماري]
كانوا في محاضراتهم وفي أدبياتهم يتباهون بكونهم العباقرة، والأذكياء"بدرجة كافية"لكشف مخططات العلمانيين والتغريبيين وفضحها وتعريتها، فمعظم الخطوات التي تتخذ لنشر الفساد والسفور في البلد كانوا يقولون أنهم على علمٍ بها، وعلى علم أيضًا بالأيدي الخفية التي تقف وراءها، لذا تجدهم يملكون دائمًا قوائمَ طويلة بأسماءِ أولئك العلمانيين، وبأسماء اللجان والجمعيات والصحف بل وأحيانًا بأسماء الجهات الرسمية التي تسعى لتغريب المجتمع، وإخراج المرأة من عفتها.
ولكن يبدو أن عقوبةً ربانيةً نزلت بهم؛ لنراهم اليوم يُطَبِّلُون فرحين مسرورين وهم يُتَخذون ساترًا، وواجهة أمامية من قبل الطواغيت وأهل العلمنة في حرب دين الله، ولتمرير المشاريع التغريبية التي طالما تباهوا بكشفها وتعريتها. هذه العقوبة ما هي إلا نتيجةٌ طبيعية لكل متخلفٍ عن الجهاد، وعن الصدع بالحقِّ، والبراءة من الطواغيت ومن والاهم، فهاهم اليوم يُحَرَّكون ويُسَيَّرون من قبل أشدِّ الأسماء عداوةً للدين والملة، والكارهين جهرًا لكل معاني الحشمةِ، والفضيلة.
فكما تعلمون أن الرغبات الصليبية المتوافقة مع رغبات عملائهم بعلمنة المجتمع والناس بعد أن أتموا علمنة الدولة تسارعت وتيرتها، وتزايدت حدتها بعد غزوة الثلاثاء المبارك، فاشتدت المطالبات الراغبة بنزع العقيدة من قلوب الموحدين التي تدفعهم إلى الفداء والتضحية والموت من أجل هذا الدين، إن هذه المطالب لم تكن جديدةً علينا فالله تعالى يقول: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، ولكن الجديد هو أسلوبُ وطريقة ُطرحها وتقديمها، فقد علم الصليبيون، وعملاؤهم صعوبةَ تَقَبُّلِ الأمة لتلك المطالب خاصةً إذا كانت نابعةً من فئاتٍ ليبرالية أو تحررية تغريبية، فكان لا بد من إيهام الناس أن مطالب التغريب المتلبسة بلبوس الإصلاح نابعةٌ من الداخل، و من كل التيارات و الفئات وبالذات الإسلامية منها، وهذا ما يُفَسِّر اختيارهم لأحد الإسلاميين المُغَفَّلين رئيسًا لتلك الجمعية، ويُفَسر أيضًا سبب ادعاء الحكومة كذبًا وزورًا أن الجمعيةَ أهليةٌ أنشأها أعضاؤها بعد موافقة آل سلول عليها، فهم يريدون دائمًا إضفاء الصبغة الشعبية على مثل تلك اللجان، كما فعلوا سابقًا مع مؤتمر الحوار.
إن من أحمق ما رأيت هو ما ردده البعض مُصَدِّقين أن هذه الجمعية قد وضعت فعلًا للدفاع عن الحقوق المغتصبة لأفراد هذه الأمة المسكينة، أو لمحاسبة الظالمين المعتدين على كرامة المسلم وآدميته في هذا البلد، أو للنظر في أحوال الآلافِ القابعين في زنازين الظلم، والذين ليس لهم ذنبٌ إلا توحيدُ الله، وجهادٌ في سبيله، أو كلمة حق قالوها لم تأخذهم فيها لومة لائم، و المتابع ولو بشكل بسيط لما يطرحه أعضاء هذه الجمعية من رغبات وتطلعات بل وخطط عمل؛ يجد بجلاء أن هذه الأمور بعيدة كل البعد عن عقولهم فهم لم يفكروا بها أصلًا ناهيك عن أن يتخذوها أجندة عمل، فكيف نظن أن مرتدًا زنديقًا كعبد الرحمن الراشد [1] الذي يجري كره الدين وأهله في عروقه، سوف يشهر سيفه مدافعًا عن الأبطال المجاهدين الذي يقبعون في سجون الجزيرة ظلمًا وعدوانًا؟! بل كيف نتوقع أن يجتمع هذا الخليط من الزنادقة، والرافضة، والتحرريين، والتغريبين مع الإسلاميين الانهزاميين الانبطاحيين الذين لا يمكن أن يقولوا لأسيادهم الطواغيت كلمة حق ولو صغرت بحجة مصلحة الدعوة والحفاظ على مكتسباتها، وكيف نتوقع أن يجتمعوا من أجل نصرة الفضيلة ومحاسبة المؤذين للمؤمنين ليلًا ونهارًا؟، إن العقول التي تَظُنُ خيرًا في مثل تلك الجمعية هي عقولٌ قاصرةٌ سقيمة لا تفقه، ولا تميِّز بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع.
ويكفي لمعرفة مدى الخطر على الفضيلة الذي تمثله هذه الجمعية إلقاء نظرة سريعة على أهدافها المعلنة، وعلى أسماء أعضائها، والذين لم يخفوا تطلعاتهم وطموحهم في هدم عُرى الفضيلة، فـ"نورة الجميح"مثلًا وهي كاتبة صحفية عاشت في الغرب عشر سنوات تصرح بكل صفاقة:"لن نبدأ من أعلى السلم كأن نسعى مثلا للحصول على حق المرأة في قيادة السيارات" [2] إذن فقيادة المرأة على سلم الأولويات لهذه الجمعية الخبيثة، فهم يطالبون بحقوق الإنسان، والمرأة إنسان، ومن حقوقها أن تقود السيارة. وحقوق المرأة في نظرهم من الصعب أن تتم في مجتمعٍ الرجل فيه أقوى لذا فإن إلغاء القوامة للرجل على المرأة فيما يبدو أمر سيكون مطروحًا في درجة من درجات هذا السلم، تقول:"إنَّه من الصعب على المرأة الحصول على هذه الحقوق بدون متابعة في مجتمع الرجل فيه أقوى في أي نزاع"، ومن أهداف اللجنة أيضا إلغاء التمييز بين الرجل والمرأة، و إلغاء التهميش - المزعوم - الممارس ضد المرأة، وهذا يعني في نظرهم، أن تصول المرأة في كل ميدان وتجول، وأن تنخلع من عفتها وفضيلتها، وتقول أيضًا أن من أهدافها محاربة قضية تعدد الزوجات أو على الأقل التقليل منها .. إلى آخره من الأهداف المعلنة فيما يخص قضية المرأة وما خفي كان أعظم.
وأشير هنا إلى أن الدين جاء بوجوب الإيمان التام بالفوارق بين الرجل والمرأة، وأن كل من دعا إلى مساواة بين جنس الرجل وجنس المرأة أو فضل جنس المرأة على جنس الرجل فقد كفر بما أنزل على محمد، وقد دل الشرع على ذلك دلالة صريحة واضحة، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ، وقال تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} ، وقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} ، ولكن لا يعني هذا مطلقًا إهانتها أو تحقيرها، بل كرمها الله بالإسلام وأوجب تكريمها، و حفظها، وصيانتها، والعناية بها، حتى عن الأعين والأبصار، وتلك و الله هي حقوقها التي ننادي بها والتي ما ذاقت المرأة الويلات في بلاد المسلمين المختلفة إلا حينما تركتها، ويممت وجهها عن كتاب الله شطر مُنْحَطِّ الأفكار القادمة من الغرب والشرق.
ومن حقوق الإنسان التي يدندنون حولها نشر فكرة التسامح، و الانفتاح، وحرية الأديان، فمن اضطهاد الإنسان عندهم أن تمنعه من ممارسة كفره وشركه أمام الناس، في أطهر البقاع قداسة على وجه الأرض كالمدينة مثلًا فلا مانع من أن يُلعن الصحابة، ويُدنس البقيع مادام اللاعن والمدنس إنسانًا يمارس حقوقه المكفولة بالقانون أو بالشريعة المقننة التي يفتي بها علماء دار الإفتاء.
هذه أيها الأحبة بعض الحقوق والأهداف التي صرح بها بعض أعضاء هذه الجمعية، وهي تكشف ما يُخططُ العدو من ورائها، والحمد لله أنها باتت مكشوفة عند الطيبين من الناس حتى من عامتهم الذين انكشفت لهم هذه الأوراق مباشرة لحظة صدور قرار الموافقة على إنشائها برغم كل الهالة الإعلامية التي حاول الطاغوت إضفاءها عليها، فالناس مازالت تذكر كيف طورد أصحاب لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية، وكيف أودعوا السجن بضع سنين، وكيف فُصِلوا من وظائفهم وجُرِّموا بفتاوى رسمية، لمجرد إعلانهم عن نشأةِ تلك اللجنة، والناس أيضًا شاهدت بأم أعينها وبعد ساعات قليلة من إعلان الموافقة على اللجنة السابقة كيف قام النظام بسجن و اعتقال كل من فكر بإنشاء لجنة مماثلة، أو حتى تعاطف معهم، بالرغم من كونهم من المدافعين عن الدولة في وسائل الإعلام والمنافحين عنها بأقلامهم، وكتاباتهم. فسقوط هذه اللجنة كان سريعًا جدًا ولله الحمد والمنة.
وأخيرًا:
فنحن نؤمن أن حقوق المسلم لا تكتمل والناس يُحكمون بغير ما أنزل الله، ولا تتم و الحاكم مرتد كافر، فمن أولى حقوق المسلمين أن تُحَكَّم فيهم الشريعة بإمام مسلم عادل، وأن يعبدوا الله ويقيموا شعائره لا يخافون في ذلك لومة لائم، لذا فإن العمل في الفروع قبل ضبط وإصلاح الأصول غايةٌ في الغباء والسذاجة. كذلك فإن الحقوق لا تنبثق أنظمتها من قوانين الشرق، والغرب، ومن دساتير هيئة الأمم الكافرة، بل تنبع صافيةً عذبةً من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
[بقلم: مشعل العماري / الخبر > عن مجلة صوت الجهاد / العدد 13]
[1] هذا المنحل هو رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط وهو أحد أبرز ممثلي الجناح الليبرالي في الجمعية.
[2] هذه التصريحات والتي بعدها من موقع (ميدل ايست أون لاين) .