[الكاتب: أبو عبد الله عماد بن عبد الله التونسي]
عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّد ... الحمد لله وحده، و الصلاة والسلام على من لا نبي بعده ...
أما بعد:
فقد تابعت برنامج دين ودنياعلى قناة MBC ليوم السبت 18/ 11/1422 والتي كان دار موضوعه حول الحكم بغير ما انزل الله و ضوابط التكفير.
ولي على كلام الشيخ عايض القرني بعض التعليقات التي أرجو أن تبلغه وأعرف رأيه حولها من باب النصيحة في الدين ومن باب قوله صلى الله عليه وسلم"فرب حامل فقه لمن هو أفقه منه"، وإن كنت اخطات فيها فلعل الشيخ يبين لي موضع الخطأ مشكورا، من باب النصح لعامة المسلمين من أمثالي ممن أراد التبصر في دينه، سائلين الله أن يوفقنا وإياه لما يحب ويرضى.
فأقول:
ذهب الشيخ عايض إلى اعتبار الحاكم المنحي للشريعة والمتحاكم إلى القانون كافرا مرتدا مثله مثل الجاحد لحكم الله أو المفضل للقانون عليه أو المساوي بينهما أو المجوز للحكم بغير الشريعة. ودعى الى وجوب التفريق بين من جعل الشريعة هي المصدر للتشريع وإن اخطأ في بعض النواحي، وبين من لا يفعل ذلك، أو يجعل الشريعة مصدرا من مصادر التشريع مثلها مثل القانون الروماني او الفرنسي أو غيرهما. واستدل على ذلك بقوله تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ْ} ، ولعله يشير بذلك الى الإجماع الذي نقله ابن كثير في تفسيره، على كفر من يحكم بين الناس بغير شريعة الله.
والذي ذهب إليه الشيخ هنا هو الحق الذي لا ريب فيه، لدلالة النصوص القطعية على ذلك ولإجماع علماء الإسلام عليه. وكلامه هنا رد صريح على من يسوي بين صور الحكم هذه ويردها كلها إلى ما قال عنه السلف أنه كفر دون كفر، مع أن الفرق بينها في غاية الوضوح.
لكن الشيخ يرى عدم جواز تكفير أعيان الحاكمين بغير الشريعة -ويدخل في هذا الحكام والقضاة- لإمكانية وجود موانع تحول دون ذلك مثل عدم علمهم بوجوب تحكيم الشريعة أو وجود تأويل وشبهة أو وجود ضغوط على هذا الحاكم. وهو يشير بذلك الى موانع الجهل والتأويل والإكراه. كما ذكر الشيخ أن التكفير لا يكون إلا بعد إقامة الحجة ولا يكون إلا من العلماء وأن تركه من غيرهم أسلم من الخوض فيه.
ولي مع كلام الشيخ الأخير وقفات:
1)أن الجهل ليس معتبرا على إطلاقه بل هو مقيد بخفاء حكم المسألة المجهولة وبقدرة الجاهل على التعلم.
لهذا قيد العلماء الجهل بمن كان حديث عهد بالإسلام او من كان من سكان البوادي البعيدة أو من سعى في طلب الحق وأخطأه.
ومن كلام أهل العلم في هذا
· قول الإمام أبي محمد بن حزم رحمه الله:
"ومن بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه له أمرًا من الحكم مجملًا أو لم يبلغه نصه، ففرض عليه اجهاد نفسه في طلب ذلك الأمر، وإلا فهو عاص لله عزوجل."
قال الله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (الفصل 106/ 4) "
· قول الإمام ابن عبدالبر رحمه الله في التمهيد بعد سياقه حديث ابن عباس في الرجل الذي جهل تحريم الخمر:
"وفي هذا الحديث دليل على أن الإثم مرفوع عمن لم يعلم، قال الله عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، ومن امكنه التعلم ولم يتعلم أثم والله أعلم". (التمهيد 140/ 4)
· قول أبي حامد الغزالي رحمه الله:
"والمقصود أن من قَصَد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعد مهلة للتعلم، وقد قال الله سبحانه"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (إحياء علوم الدين 389/ 4) "
· قول القاضي شهاب الدين القرافي رحمه الله في فروقه:
"الفرق الرابع والتسعون، بين قاعدة مالا يكون الجهل عذرًا فيه وبين قاعدة مايكون الجهل عذرًا فيه: اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها، أو أخذ بجهالات فلم يَعْفُ عن مرتكبها، وضابط مايُعفي عنه من الجهالات: الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، ومالا يتعذر الاحتراز عنه ولايشقّ لم يُعْفَ عنه" (الفروق 150/ 2) .
وقال أيضا"القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لايكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يَعْلموها ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل، ومن علم وعمل فقد نجا" (المصدر السابق 264/ 4)
· قول ابن قدامة الحنبلي رحمه الله:
"ولا حَدّ على من لم يعلم تحريم الزنا. قال عمر وعثمان وعلي: لا حَدّ إلا على من علمه، وبهذا قال عامة أهل العلم، فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام والناشيء ببادية قُبِلَ منه لأنه يجوز أن يكون صادقا، وإن كان ممن لايخفي عليه ذلك كالمسلم الناشيء بين المسلمين وأهل العلم لم يقبل لأن تحريم الزنا لايخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه، وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قُبِل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة ولأن مثل هذا يُجهل كثيرًا ويخفى على غير أهل العلم" (المغني مع الشرح 156/ 10)
· قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، و كلامه في هذا مما يصعب حصره:
"فأما من تعمد تحريف الكتاب لفظه أو معناه، أو عرف ماجاء به الرسول فعانده فهذا مستحق للعقاب، وكذلك من فرط في طلب الحق واتباعه متبعًا لهواه مشتغلًا عن ذلك بدنياه" (الجواب الصحيح 310/ 1)
وقوله:"وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك، وأما من لم تقم عليه الحجة: مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذٍ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل" (مجموع الفتاوى 609/ 7)
ومثله ما جاء في المجموع 231/ 3، 354/ 3، 407/ 11، 252/ 20، 165/ 35
وبمثل هذا قال تلميذه ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين 113/ 1 و 239/ 1 و اعلام الموقعين 220/ 4 و مفتاح دار السعادة 44/ 1 و طريق الهجرتين 412
وبمثل هذا قال ابن رجب الحنبلي في قواعده والسيوطي في اشباهه والشنقيطي في أضوائه ولجنة الإفتاء في فتواها رقم 9257
وبمثل هذا قال شيخ الشيخ عايض، عبد العزيز بن باز في الفتاوى والتنبيهات وشيخه محمد بن ابراهيم في فتاويه.
وأختم بما جاء عن جدهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لصريح دلالته على ما نحن فيه، إذ يقول:"إن الشخص المعين اذا قال ما يوجب الكفر، فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو مايعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضح المحجة".
فإذا علمنا ان المسائل التي يدور حولها البحث هي تطبيق الحدود الشرعية وتحريم المحرمات القطعية، المعلومة من الدين بالضرورة كالزنا والخمر والميسر والربا والتي تظاهرت الأدلة عليها وعلم وجوبها او تحريمها عامة المسلمين وخاصتهم وامتد العلم بها الى الملل اليهودية والنصرانية، تبين لكل منصف ان إدعاء الجهل بها غير سليم وانها أشبه بالعكازة التي تحدث عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
أما من جهة القدرة على التعلم فقد صار طلب العلم في هذا الزمن من أيسر الأمور. فإن كان الله سبحانه قد قطع عذر مشركي قريش لوجود بقية التوحيد فكيف نعذر بالجهل في المعلوم من الدين بالضرورة، وفي زمن انتشرت فيه الكتب والاشرطة والمجلات والجرائد والنشرات وساحات الحوار التي لا تخلو من الدعوة الى تحكيم الشريعة ونبذ ما خالفها؟
وكيف يسلم بالعذر بالجهل وقد نصبت المشانق وغصت السجون في مختلف البلاد بخاصة المسلمين وعامتهم ودكت حماه واستعرت الحرب في مصر و الجزائر وليبيا وغيرها ...
على ما كل هذا؟
أليس من أجل الدعوة الى تحكيم الشريعة؟
بلى والله، فأي جهل هذا الذي يعذرون به؟
بل هو الإعراض والإستكبار والعزة بالإثم مع سبق الإصرار والترصد ...
والله غالب على امره.
ومن جهة أخرى فإن الشيخ نفسه قد أبطل دعوى العذرهذه لما جزم بتأثيم الحكام الحاكمين بالقانون وهذا لا يتماشى مع دعوى الجهل لأن الجهل المعتبر مانع من التكليف إبتداءا ومسقط للإثم، كما جاء في أقوال أهل العلم بالأعلى وكما دلت على ذلك الأحاديث والآثار عن السلف فيلزم الشيخ ومن يقول بقوله أن الحكام بالقوانين غير آثمين بل قد يكونون مأجورين كما أجر الرجل الذي أمر بتحريقه بعد الموت!
فيصير الجاهل العاصي منهم أفضل حالا من العالم العاصي!
لأن الأول مأجور، والثاني كافر!
ولا أظن عاقلا يقول بهذا.
فتبين بطلان العذر بالجهل في الحكم بمثل هذه القوانين.
ومن جهة أخرى فإن الشيخ لم يعذر حكام البعث بالجهل لقولهم آمنت بالبعث ربا على حد قوله، وهذا الكلام إن كان قاله رجل أو أكثر من حزب البعث فلا يصح حمله على غيرهم من غير دليل فيلزمه عدم تكفير حكام البعث عينا مثلهم مثل غيرهم حتى يثبت ذلك عنهم!
ولو قال قائل للشيخ لماذا لا يعذر قائل هذا القول بالجهل؟
لقال الشيخ لأن هذا مما لا يسع الجهل به، ولزمه التقييد في العذر بالجهل،
وهذا هو المقصود.
وأصرح دليل في كتاب الله على تكفير المعين اذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة وعدم عذره، هو قوله تعالى على لسان صاحب ذي الجنتين {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا} ، فقد كفره دون تردد بمجرد القول ولم يقل أرجع إلى عالم ليحكم في هذا الأمر لظهور الحكم فيه.
وهذا يدل أيضا ان الرد إلى العلماء في مسائل التكفير ليس على إطلاقه بل هو كذلك مقيد كما أن الجهل مقيد وكما ان التأويل مقيد كما سيأتي بيانه. ونحن في بلادنا مع طموس الكثير من معالم الإسلام فإن الصغير والكبير والجاهل والمتعلم لا يتردد في تكفير ساب الله أو الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم من ينكر ذلك أو يقول أرجع إلى عالم أو فقيه. بل إن التوقف في تكفير من كان هذا حاله قد يرجع بالكفر والردة على من يفعله كما قال سحنون، لتكذيبه حكم الله في الساب. أما المسائل والأقوال الخفية المحتملة فالرد فيها إلى أهل العلم واجب ولا ريب.
فهل ينطبق هذا على الحاكمين بالقانون؟
2)حكم العذر بالتأويل مقيد مثله مثل حكم العذر بالجهل فليس كل تأويل مقبول من المتأول، لهذا قسم أهل العلم التأويل إلى مستساغ وغير مستساغ. فمن كان كفره بسبب تأويل لا تحتمله الأدلة الشرعية أو المعاني اللغوية لم يقبل عنه ولا عن غيره دعوى التأويل، خاصة إذا كان التأويل متعلقا بإبطال جملة من أحكام الإسلام القطعية المتواترة بمجرد الهوى ومتابعة أهل الكفر وبدعوى تطوير الشريعة فالحال هنا كما قال الغزالي في التفرقة"فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بتأويلات". والتأويلات في زماننا هي أخت تأويلات القرامطة لإبطال الشريعة ولإباحة الردة والعهر والفجور باسم الحريات الشخصية والحضارة المدنية، فهي زندقة محضة وردة مغلظة ولا يليق بمن كان في علم الشيخ إيراد عذر التأويل على من يمنع التعدد ويرخص في الزنا بالتراضي ويمنع لبس الحجاب ويلزم الإختلاط في المدارس ومثل هذا!
فهذه باطنية مزدكية إباحية تلبس لبس الحضارة وتدعي الإسلام، فهي زندقة صريحة وردة قبيحة عن دين الرسل أجمعين، ولا أظن الشيخ يخالف في هذا، والله أعلم.
وقد طرح مقدم البرنامج على الشيخ قانونا مثل هذا، وهو قانون ترخيص الزنا في غير فراش الزوجية فأعرض الشيخ (أو نسي) عن بيان الحكم فيه واكتفى بمجرد الدعوة الى التوبة والعودة الى تحكيم الشريعة، وهذا لا يبين حكم الله في هذاالأمر الذي أخذ الله الميثاق على بيانه وعدم كتمانه لمن كان في علم الشيخ عايض، خاصة إذا كان في مثل هذه الخطورة والدعوة إلى الإباحية. وهذا القانون وما شابهه مما عمت به البلوى في بلاد المسلمين اليوم ويرى آثاره القبيحة علىلأفراد والمجتمعات مما ينذر بقرب العقاب وحلول النقمة و العذاب على الصالح والطالح.
فاللهم إذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.
3)أما الضغوط التي أشارإليها الشيخ عايض فهي لا تبيح فعل الردة بحال، لأنها لا ترقى الى درجة الإكراه الملجيء الذي يعذر فاعل الكفر به، لتخلف شروط هذا الإكراه والتي منها وجود المكرِه المتمكن من إلحاق ضرر كبير متحقق مع العجز عن دفعه. وهذه السعودية تحكم بالشريعة -كما قال الشيخ-، فأي تهديد أو ضرر لحقها من جراء ذلك؟ بل لو قال الشيخ أن حكامناهم الذين يكرهوننا على عدم الرجوع إلى الشريعة والتحاكم إليها، ويحملوننا على التحاكم إلى قوانينهم بالحديد والنار وشتى صنوف الإكراه والتعذيب البدني والمعنوي والذي لم يسلم منه حتى النساء والذرية، لكان أصوب في قوله وأعدل في حكمه. فدعوى الإكراه خيال لاو جود له، ولا يصلح ان يكون مانعا من تكفير من جاء بمثل هذه المكفرات وهو يصرح صباح مساء، باستقلالية الدولة وحريتها وبراءتها من التبعية.
فليتنبه الشيخ!
4)ويجدر التنبيه هنا إلى مانع آخر أشار إليه مقدم البرنامج سعد البريك وهو عدم قصد الكفر كمانع من تكفير المعين، مستدلا بقوله تعالى في سورة النحل {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} ومشيرا إلى كلام للشوكاني في ذلك، والذي لم يتعقبه عليه الشيخ عايض بشيء. وهذا القول غريب ممن كان مفترضا أنه قد تربى على كتب أئمة الدعوة النجدية وشيخ الإسلام إبن تيمية وإبن القيم وأسلافهم. لان هذا الإستثناء في هذه الآية راجع الى المكرهين وليس في من قال أو فعل الكفر من غير إكراه، فهذا كافر شارح بالكفر صدرا قصد الى الكفر او لم يقصد كما قرر هؤلاء الأعلام في اكثر من موضع، كقول شيخ الإسلام في الصارم المسلول:
"وبالجملة فمن فعل او قال ما هو كفر كفر بذلك وان لم يقصد ان يكون كافرا، فانه لا يقصد الكفر احد الا ما شاء الله".
وكلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب حول هذا في كشف الشبهات الذي يحفظه صغار الطلبة في الجزيرة! فكان علىلشيخ أن ينبهه عليه، ولعله يفعل.
ومن هنا يتبين ان الموانع المذكورة في تكفير اعيان الحاكمين بالقوانين الوضعية التي تحل الحرام وتحرم الحلال والواجب وتسقط الحدود الشرعية، غير معتبرة وأنها مع التحقيق منتفية وأن الحجة قائمة عليهم من أكثر من وجه، خاصة اذا علمنا ان هؤلاء الحكام يدخلون في حكم طوائف الردة الممتنعة بقوة السلاح، وتتبع الموانع وإقامة الحجة عليهم أو إستتابتهم مما لم يكلف الله سبحانه به عباده لتخلف القدرة عليه.
وهذا أمر في غاية الأهمية يبطل حجج من يثير مسألة إقامة الحجة والتثبت من الموانع في مثل هذه الحالة، وهي الإمتناع. والدليل على هذا هو أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أجمعوا على قتال مانعي الزكاة وأتباع مسيلمة الكذاب وتكفير أعيانهم والحكم على الميت منهم بالنار دون إجراء للموانع ودون إستتابتهم مع أن إحتمال وجود الموانع في حقهم أكبر ممن هم محل بحثنا. ذلك أنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام وأن منهم من صدق الرَّجال بن عنفوة في شهادته أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أشرك مسيلمة الكذاب في الرسالة وكان هذا الملعون من أكبر من أضل أهل اليمامة حتى اتبعوا مسيلمة كما قال ابن كثير في البداية. وفي المقابل فإن الصحابة استتابوا المقدور عليه منهم، كما فعل ابن مسعود رضي الله عنه في قصة قتل ابن النواحة، في صحيح سنن أبي داود من رواية حارثة بن مضرِّب أنه أتى عبد الله فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ، وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإِذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم. غير ابن النوَّاحة قال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لولا أنك رسولٌ لضربت عنقك"فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النَّوَّاحة قتيلًا بالسوق. كما إستتابوا قدامة بن مظعون رضي الله عنه لما تأول لشرب الخمر، بينما أهدر صلى الله عليه وسلم دم عبد الله بن أبي سرح لما ارتد ولحق بالمشركينن فأمر بقتله وإن وجد متعلقا بأستار الكعبة.
وفي هذا قال شيخ الإسلام بن تيمية في الصارم ص 322"ولأن المرتد لو امتنع، بأن يلحق بدار الحرب أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام، فإنه يقتل قبل الإستتابة بلا تردد"، وقال بعد ذلك"إنما يستتاب المقدور عليه". وحكامنا يدخلون في هذاالباب قطعا لأنهم متلبسون بجملة من الأمور هي من الردة الصريحة وإمتناعهم بالجيوش المدججة بالسلاح والتي تتكاثر اعدادها يوما بعد يوم للصد عن سبيل الله، وثبوت الحديث والإجماع على قتال من كفر منهم.
أما دعوتهم للتوبة وللرجوع الى تحكيم الشريعة فهذا لا يمنع تنزيل الحكم الشرعي على مستحقيه منهم، خاصة اذا كان بمثل هذا الوضوح، ثم إن العلماء والدعاة في مشارق الأرض ومغاربها لم يقصروا في ذلك، بل يقومون به ليلا ونهارا، و يدعون إليه سرا و جهارا، فلم يزدهم ذلك الا فرارا، وجعلوا أصابعهم في آذانهم وأستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، فالله نسأل ان لايذر على الأرض منهم ديارا وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات وان لا يزيد الظالمين إلا تبارا.
وهنا مسألة أخرى تقطع دابر الخلافات في الساحة الإسلامية حول الحكم بغير ماأنزل الله وهي مسألة وجوب قتال الممتنعين عن العمل بشرائع الإسلام وإن كانوا مقرين بها، عملا بقوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} وقوله صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"الحديث، و بإجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وهذا كما قال شيخ الإسلام مما لا أعلم فيه خلاف بين العلماء.
ومن تأمل الساحة الإسلامية اليوم يدرك أن أعظم أسباب الخلاف في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، يرجع إلى التنصل -عن قصد أو من دونه- من حكم قتالهم الذي كتب علينا وهو كره لنا.
فسواءا قلنا ان مسألة الحكم بالقوانين كفر دون كفر او أنها من الكفر الأكبر المستبين او أن الحكام به معذرون بشيء من موانع التكفير او أنهم طواغيت مرتدون، فهذا لا يغير من وجوب قتالهم شيئا ...
لهدم البرلمانت الشركية والمحاكم الوضعية الجاهلية والبنوك الربوية والخمارات ودور البغاء والميسر وغير ذلك ... وإقامة الحدود الشرعية ... وإعلان جهاد الكفار ... حتى يكون الدين كله لله
فإن كان الدين بعضه لله وبعضه لغير لله، وجب القتال .. هذا هو الطريق .. فأين الرجال؟
بقي ان انبه على بعض المسائل التي طرحها الإخوة المتدخلون عبر الهاتف والتي لم يجب أو يعلق عليها عليها الشيخ عايض، فلعله يفعل:
أولها:
حكم إدعاء تحكيم الشريعة وإستبدال أحكامها في المحاكم التجارية و المعاملات البنكية الربوبية وفي قانون العمل والعمال وقانون الجيش وغيرها مما لا يخفى على مثل الشيخ عايض وجودها في بلده. وإنكار سعد البريك لوجود مثل هذه الممارسات هو إنكار للبديهيات، الذي لا حيلة معه. ومنع الاخ المتدخل من إكمال كلامه ومقاطعة مكالمته لا يغير الحكم الذي ذكره في أول مداخلته ولخصه في قوله تعالى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
ثانيها:
ما ذكره أحد الإخوة حول تلبس حكامنا بمجموعة من النواقض الأخرى غير تنحية الشريعة وتحكيم القوانين، ومن ذلك:
· إلتزامهم بمواثيق المنظمات الكفرية وإنظمامهم تحت لوائها، مثل منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها وجامعة الدول العربية، وغير ذلك.
· مودتهم وتقريبهم لأعداء الملة من اليهود والنصارى بل ومناصرتهم علنا في قتالهم للمسلمين كوقوفهم مع التحالف الصليبي ضد إمارة أفغانستان وإمدادهم بالأموال وتمكينهم من أراضيهم وأجوائهم ولعل ما خفي يكون اعظم.
· حربهم على الدعاة الموحدين وتتبعهم والتضييق عليهم -مما كان للشيخ عايض نفسه نصيب منه-، أو التبرأ من الممتنعين منهم والتعاون الأمني في ما بينهم البعض أو مع الأمن الصليبي أو الصهيوني لإيقافهم وتعليقهم على المشانق حتى طال هذا طلبة العلوم الشرعية بالجامعات الإسلامية في الحرمين! فلا حول ولا قوة إلا بالله
وغير ذلك من النواقض الصريحة التي تلبس بها بعضهم دون بعض كالإستهزاء بشريعة الله أو وصفها بالتخلف أو لبس الصليب أوإنكار السنة أو إنتحال المذاهب الكفرية كالنصيرية والبعثية والقومية والإشتراكية والديمقراطية مما أستفاض العلم به عند الخاص والعام، ومما يزيدنا يقينا أننا نعيش زمنا اشبه بزمن تحكم القرامطة والعبيديين في أمتنا، ويقطع العذر على من يلتمس لهم الأعذار و يطلب لهم الشبهات. والله المستعان.
وآخرها:
هو تذمر المتدخلين من سوء معاملة المسلمين في المملكة والتضيق على إقامتهم فيها ومعاقبة المتخلفين عن الرحيل عنها. وقد زاد المقدم الطين بلة بتأكيد وجوب مغادرتهم"لبلاده"بعد انتهاء مدة التأشيرة، على قول القائلين، فرنسا للفرنسيين!!! فكان على الشيخ عايض أن يذكره بقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ، وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، فليس أحد أحق بمنزله من الآخر كما قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله، حتى قال مجاهد ومالك إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله.