فقد ظهر بعض كبار الدعاة وأهل العلم مؤخرًا، في مداخلة على قناة الجزيرة، التي تشاهد من قبل عشرات الملايين في العالم العربي، والإسلامي، وكذلك الغربي، وكان موضوع المداخلة أحداث العراق، وبالأخص الفلوجة، يوم كان المسلمون الصادقون يحبسون أنفاسهم حنقا وغيظا مما يجري هناك، حيث بلغ معدل القتل اليومي حسب الإحصاءات الرسمية 100 قتيل، معظمهم من النساء والأطفال، ناهيك عن الإصرار الأمريكي على الانتقام، ثأرا لمقتل أربعة من جنودهم والتمثيل بهم، في الوقت الذي صمت العالم، بما فيه عالمنا الإسلامي والعربي ودول الجوار عن هذه المجازر.
في ذلك الوقت الذي حبست فيه الأنفاس، إذا بفرصة المداخلة على القناة الفضائية تتاح لهذا الشيخ الفاضل حول تلك الأحداث، وإذا به وقد شدت الرقاب لكلامه، يوم أن سمعت اسمه من المذيع، إذا به يصرح بتصريح كأنما صدر من أحد المسئولين الرسميين، لا كأحد كبار الدعاة الذين ينتظر منهم قيادة الأمة وتوجيهها، فصدمت بهذه الطريقة، وشعرت بألم وحسرة فخرجت مني هذه الكلمات القاسية وأرسلتها لفضيلته، ولم يصلني منه رد، فكان لا بد من نشرها على الملء، لنعمق التناصح بين شباب الإسلام، ونعمق الإحساس بالمسؤولية، ونؤصل معنى نفي الزلل عن هذا الدين بجملته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد استمعت للمقابلة التي تمت مع شخصكم الكريم أثناء نشرة أخبار قناة الجزيرة ليلة ( ... ) ، والتي استمرت دقيقتين تقريبا، وأحببت بارك الله فيكم أن أنقل إليكم ملاحظات محب، لم يكن الحب وحده الدافع لإبداء تلك الملاحظات، بل كان مشفوعا بثقل حمل الأمانة، ووجوب النصح الذي أوجبه الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم لكل مسلم.
أيها الشيخ الكريم:
لا أظنه يخفاكم أن تلك القناة وفي ذلك الوقت، تشاهد ويستمع لها من قبل عشرات الملايين، فكانت تلك الدقيقة أو الدقيقتين أثمن عند الداعية الذي يتلمس فرص إبلاغ الحق أثمن من مئات المحاضرات، سيما وأن شريحة المستمعين إلى تلك القناة، تمثل شتى أطياف المجتمع، المثقفون، العامة، المتدينون، العلمانيون ...
وتأتي تلك الفرصة التي منحت لكم، ولم تمنح لغيركم في وقت يتلهف المسلمون فيه لرأي صريح أو كلمة جريئة، تلملم آلامهم، لتقلبها إلى آمال، جامعة - تلك الكلمة - لبيان جانب من الحكم الشرعي في تلك النازلة، مع بيان أسباب المصيبة التي حلت وتحل بهم، ثم تثلث بإرشادهم إلى الطريق بخطوات عملية مختصرة، ويكون ذلك في قالب يناسب حجم المصيبة بل والفاجعة التي تحل بهم، وتتناسق مع هذا الحنق القائم في قلب كل غيور على الطغيان الأمريكي من جهة والخنوع العربي المقيت من جهة أخرى.
ما أظن الجموع وأنتم أعلم بذلك يا فضيلة الشيخ تنتظر لتسمع كلاما مكرورًا ملته الأسماع قبل القلوب، يدعوا الجميع إلى الوقوف بجانب إخوانهم في العراق، وتحمل مسؤولياتهم ... والجميع لا يعرف كيف يقف، وكيف يتحمل مسؤليته، ومن المسئول عن الحيلولة بينه وبين القيام بذلك.
حتى الدعاء، حينما تكون المطالبة به جزءًا من تلك المطالبات المكرورة فستفقد المطالبة به قيمتها وأثرها، وتطغى على الإنصات له وتذكر أهميته، حالة الشرود الذهني التي سببتها الصدمة الناتجة من كلام بارد سمج في وقت تتلهف الأمة فيه لتوجيه حكيم مع تلمس مواطن الداء.
ألا تظنون أن الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم من بيان الحق والنصح للأمة يتوجب عليكم كلمة أصدق من تلك التي تفضلتم بها على مسامع الملايين، والتي جمعت بين النبرات الصوتية الهادئة، على الرغم من حمام الدم الذي يسيل في الفلوجة والعراق -، والكلمات المستهلكة سماعًا، وعدم المقدرة على توصيف الداء، فضلا عن وصف الدواء -ولو جزئيا - بطريقة عملية مؤثرة ...
أليس من الخديعة لله ولرسوله وللمؤمنين أن يعرض الصفح في هذا الموطن عن إنكار ظلم الظالم، ألا تظن أن حكام العرب يمارسون أفظع الظلم بمواقفهم المهينة من هذا الوضع المزري؟.
أليس من الواجب على أهل العلم ممن أتيح له إسماع الملايين، وقد ارتقى ذلك المنبر، أن يجهر بكلمة حق تهز شعور الظالمين - إن كان لهم شعور يهتز - وتنتصر للمظلومين، المقهورين، الذين يرون العالم كله في صمت قاتل عن هذه الجرائم ...
ألا تظنون أن الواجب يقتضي ترك تلك الأبيات الشعرية التي تفضلتم بها، لبيان أمور أخطر في تلك الثواني الغالية، أين الحديث بقوة وصراحة عن وجوب الدعم بحسب الاستطاعة، الجميع يتساءل عن حكم أهل البلد الذين نزل العدو بساحتهم -كما نزل الآن بأهل الفلوجة - وغيرها من المدن العراقية، ألا يجب الآن على الأقل على باقي المدن العراقية الدفع عن إخوانهم.
فضيلة الشيخ:
ألا تعتقد أن العلماء وكبار الدعاة، وغيرهم من أهل الحل والعقد في حقل الدعوة الإسلامية، يرتكبون مخالفة -الله أعلم بعظمها - بعدم تحركهم الفعال ضد هذا العدوان، أو على الأقل للوقوف مع إخوانهم المحاصرين، ولو بالكلام فقط، ألا ترون أنه من الواجب عليكم توجيه كلمة لأهل الحل والعقد، تخوفهم بالله من هذا التخاذل، هؤلاء لعلك بتحريكهم تحرك من ورائهم من الجموع!
يوم كان العدوان على أفغانستان من قبل السوفيت انطلقت الفتاوى، وتحرك الدعم المادي، وفي فلسطين، لا زال شعور الأمة والعلماء والدعاة يقظا بها، أما الآن في العراق، لا سيما في هذه الأيام مع ازدياد الكربة، يصمت الجميع، ألأجل أن المعتدي هذه المرة هو الأمريكي، صاحب الحصانة ...
بودي - فضيلة الشيخ - أن تعيدوا الاستماع لمداخلتكم، لتقييمها بالنظر إلى الإضافة التي أضفتموها إلى المستمع والمشاهد، فرصة مثل هذه لا يكفيها مجرد حديث لا يضيف لسامعه شيئًا عمليا واقعيا؟ ما هو التوجيه الحي الذي صدر منكم خلال تلك الدقيقة؟ هل بينتم للأمة طرفا من أسباب تخلفها أو واقعها المؤلم الذي تعيشه؟ هل أيقظتم شعور المسئولين بتحذيرهم بأن مصيبة تلك البلاد وأهلها ومسؤولياتها قد تصيبهم إذا استمروا في حالة العبث هذه؟
أما الاعتذار عن هذا بأنه معلوم لدى السامع! فلا شك أن ما قلتموه معلوم بشكل أوضح ...
ربما يقول قائل بأن الوقت لا يتسع لذلك، ولا أحد يوافق على هذا البتة، فلو كتبت تلك المشاركة، فقد رتب لها سلفا لأمكن حشر جملة من تلك الأفكار في تلك اللحظات ...
فضيلة الشيخ:
إن الخروج على القنوات الفضائية لا شك أن فيه شيء من المحاذير الشرعية، مع ما فيه من مصالح عظيمة، ولا شك أن تلك المحاذير تكبر بحسب مقام من يظهر على تلك القنوات، ولا شك أن المصالح كذلك تكبر بقدره أيضا، فإن لم يكن خروج الشيخ أو الداعية، أو العالم على تلك القنوات يفوق تلك المصالح، فما الفائدة عندئذ من خروجه، بل ما هو المسوغ الشرعي لذلك.
ألا توافقني فضيلة الشيخ أننا بشر نخشى على أنفسنا أن تغلبنا الرغبة في إثبات الوجود، والظهور على السطح، على قول كلمة الحق التي تحجبنا عن الأضواء ...
والله المستعان وعليه التكلان.
ملاحظة: نظرا لأن هذه المداخلة وما فيها جرت على مسامع الملايين، فسأرسل هذا العتاب لبعض المواقع الإسلامية على شبكة الانترنت، ولكن أرجو أن يصلني منكم رد قبل ذلك ...
[أخوكم: هيثم بن جواد الحداد / 14/ 04/2004 > عن مجلة العصر الإلكترونية]