[الكاتب: أبو يحيى الليبي]
وبحب أحمد يعرف المتنسك ... الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد ...
فلا أحد يحب أو يقبل أن يتهم أويوصف بالغلو والإفراط والشطط، فهي صفات جبلت النفوس على كرهها والنفور منها والتنكر لها، والكل يود ويرغب أن يكون وسطًا، معتدلًا، ومقسطًا، ويرتضي أن ينعت بذلك، بل النفوس بطبعها تبذل وسعها لتحصيل هذه الأوصاف واقعا وحقيقة أو ظنا وادعاء.
وهاتان المقدمتان في ما نحسب مسلمتان يجدهما المرء من نفسه، ويستطيع أن يقرأهما في صفحات الواقع، ويقتنصهما من طيات التاريخ.
والغلو كما يقع ويتأتى على مستوى الجماعات والمجتمعات بعمومها، فكذا يكون في حق الأفراد بأعينانهم، فالمجتمعات والجماعات ما هي إلا صورة مكبرة شمولية تتبلور فيها وترتسم معتقدات أهلها وتصوراتهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، فتعطي هيئة أو فكرة تنطبع في الذهن، تعبر عن مضمون ما يحمله ويتبناه ذووها، ولهذا فإن لها من الوصف ما يغلب على أفرادها ويفشو بينهم؛ إن صالحة فصالحة، وإن فاسدة ففاسدة.
والشارع الحكيم قد ذم الغلو وأهله، وحذر منه ومن التشبه بأهله، ووضع حدودًا نهى عن الاقتراب منها، وأخرى حذر من تجاوزها، وجعل الحلال بينًا والحرام بينًا، ولم يترك الناس هائمين على وجوههم، عامهين في غيهم، ومتخبطين بأهوائهم، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة: 77] ، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] .
وليس هذا النهي مختصًا بأهل الكتاب وإن جاء الخطاب موجهًا لهم، لا سيما وقد نهينا عن التشبه بهم والسير على خطواتهم.
وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن سبب هلاك تلك الأمم هو غلوهم في دينهم، حيث لم يقفوا عند حدود الله، وأطلقوا العنان لأهوائهم واسترسلوا في إحداث البدع، وخلطوها بشرائعهم، فورثها السابق عن اللاحق، وتلقَّاها الصغير عن الكبير، وزادوا فيها وأضافوا عليها وفرَّعوها، حتى صارت هي أصل دينهم ومنتهى ديانتهم، فانمحت أكثر شرائعهم وانسلخوا من دياناتهم واتبعوا أهواءهم، فكانوا كما أخبر عنهم العليم الخبير: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَافَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27] .
وكما في حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون) .
والغلو في الدين؛ هو التعمق والتنطع والتكلف فيه، وإنشاء تعبدات لم يأذن بها الله، ولو كان المقصد حسنًا، والاسترسال في ذلك والإيغال فيه؛ ربما جر إلى الكفر والمروق من الدين، كما كان الحال في الخوارج المارقين، الذين تجارت بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، وصاروا - مع اجتهادهم في العبادة وجلدهم عليها وإكثارهم منها - كلاب أهل النار، وحسبك بهم عظة وعبرة لكل معتبر.
ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله في الحديث السابق: (قوله"إياكم والغلو في الدين"؛ عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد في مدح الشيء أو ذمّه على ما يستحق ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف، وإياهم نهى اللّه عن الغلو في القرآن بقوله تعالى: {لا تغلوا في دينكم} ، وسبب هذا الأمر العام رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بقوله بما يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه الهلاك) .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا؛ عبد الله ورسوله) .
إلا أن هنا قضية ذات أهمية كبرى ينبغي التنبه لها، والتنبيه عليها - لا سيما وقد اختلط الحابل بالنابل، ولُبِّس الحق بالباطل في هذه المسألة وكثر الكلام حولها - ألا وهي؛ أن الكثيرين من العصريين ممن خاضوا في مسألة الغلو وكتبوا فيها ودندندوا حولها؛ سلكوا غيرَ وجهها، وخلطوا فيها خلطًا عجيبًا، وذهبوا مذهبًا بعيدًا، فاعتقدوا ما ليس بغلو؛ غلوًا، وذلك لبُعد الشقة بينهم وبين الانضباط بقواعد الشرع في تحديد المفاهيم وتقويم التصورات والتقيد بطرق الاستدلال الصائبة.
وعلى ضوء ذلك أصدروا أحكامًا وأطلقوا أوصافًا، تبعًا لتصوراتهم وتصنيفاتهم الخاطئة التي أسسوها وتبنوها، فاختلت المفاهيم واضطربت الحقائق.
وأصل ذلك وداؤه؛ هو وعاء النفسية الانهزامية القابل لملئه بآراء وشبهات المغرضين، والتقهقر أمام هجمات تحريفية شرسة مقصودة، شنها أعداء الإسلام لتوليد مفاهيم جديدة، تكون خطوة أولى يتم تطويرها شيئا فشيئًا، حتى تصل إلى منتهى يكون هو المراد الأول والمقصد الأساس الذي يرومون الوصول إليه، وهو باختصار؛ سلخ الناس عن دينهم وتنكرهم لشريعتهم.
وعلى ضوء ذلك تم تقسيم"الإسلام"- وليس المسلمين فحسب - إلى"الإسلام المعتدل"و طالإسلام المتطرف"أو"الأصولي"، وإذا ما رجعت إلى الميزان الذي يقوم على أساسه هذا التقسيم والتصنيف؛ تجده لا يتعدى الأهواء والآراء المتجردة عن كل استدلال شرعي صحيح، ولا يتجاوز ردة فعل استرضائية، فرضتها حملات التشويه الشرسة التي نشط لها أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم."
وهذا الأمر من الخطورة بمكان، فأصحاب المذهب الانهزامي والفكر الانبطاحي ينعتون أنفسهم؛ بأنهم رافعو لواء"الإسلام المعتدل"و"الطرح المتزن"و"العقول النيرة"، وعلى ضوء ذلك؛ فهم يرمون كل من يخالف أفكارهم - على سخف كثير منها - بأنهم"متشددون"أو أنهم"لا يمثلون الإسلام الصحيح"، أو أنهم"شراذم من الجهلة"، أو أنهم"جامدون"، أو أنهم بعيدون عن مفاهيم"الإسلام العصري"، وغير ذلك مما يتقمصه كثير من أصحاب الزيغ العصرانيين، ليموهوا به على ضلالهم، ويقدموه عبر طريق إبليسي مُلبَّس أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) .
فمن ذلك أن اسم"الكفار"...
الذي امتلأ به القرآن الكريم والسنة النبوية؛ صار استعماله - عند البعض - ضربًا من الغلو والتشدد، وينبغي أن يستبدل به دائمًا - استدراكًا على الله ورسوله - مصطلح "غير المسلمين"أو"الآخر" فهو - حسب استعمال وابتغاء هؤلاء - أرق وأرفق وأليق وأحق بعصر التحضر وزمن الحوار، وهو عنوان"الاعتدال"والوسطية و"السبيل الحسنى"في الدعوة، لنستميل به قلوب المغضوب عليهم والضالين والمجوس والهندوس والشيوعين والعلمانيين وأضرابهم.
ولا شك أن إيقاع كلمة"كفار"في القلوب لدى العامة والخاصة من المسلمين أضعاف أضعاف ما تحدثه كلمة"غير المسلمين"، وقوة تأثيرها في التنفير بمن يُنعت بها لا يساويه ولا يدانيه استعمال هذه الكلمة الاستلطافية الاسترضائية، وبقاء حقيقة المفاصلة الواضحة الواسعة بين المسلمين والكفار في الأسماء والأحكام؛ أمر مطلوب شرعًا، لأنه أس الولاء والبراء وقوامه، والذي هو أوثق عرى الإيمان.
فلئن كان ملطفو الأجواء بين المسلمين والكفار باستخدام هذه المصطلحات قد استمالوا قلوب بعض الكفرة بذلك واستبشروا بها، فإنهم يهدمون جدارًا شامخًا حصينًا قائمًا على التمايز والتباين والبراء والعداء بين الفريقين، فأين ما يبنون مما يهدمون؟! وأين الربح من حفظ رأس المال؟! {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .
حتى إنني سمعت بعض من يشار إليهم بالبنان، ويصدر عن رأيهم، حينما اتهم فجأة بأنه يثير"النعرة التكفيرية"بين الشباب باستخدامه لمصطلح"الكفار"خلال كلماته، عدَّ ذلك تهمة مباشرة، لجأ إلى التنصل منها والتبرئ من رميه بها، وافتخر بأنه يستعمل كلمة"غير المسلمين"عوضا عنها في سائر عباراته، وظن المسكين أنه بذلك سيفتح صدور المستمعين الكفرة، وأن يكون ذلك مدخلًا إلى قلوبهم يزرع به بذرة الهداية فيها، فليت شعري ما عسى مثل هؤلاء أن يقولوا وهم يقرأون: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، ونظيرها من الآيات البينات؟
ومنه؛ أن تكفير من أكفره الله ورسوله ومصارحته بذلك وإشاعته بين الناس ...
يعد على كل حال"تطرفًا"وارتكابًا لمذهب"الخوارج"، الذين هم كلاب أهل النار، ويقابله"الاعتدال العصري"المزعوم، والذي ينأى بنفسه عن هذا ويعتبره خروجًا عن المطلوب الشرعي، والمنحصر في الدعوة إلى الإسلام من غير تعرض لتكفير أو ردة أو نحوهما، حتى ولو كان الأمر أجلى من الشمس في كبد السماء، بل حتى ولو ترتب على ذلك من الأحكام الشرعية الضرورية ما لا ينفك المسلم عن لزوم معرفته واعتقاده.
ونحن نعلم خطر التكفير بغير علم ولا حجة، وليس هذا هو المقصد والمراد، وإنما الكلام عمن تبين كفره وظهرت ردته، وكيف أصبح مجرد إطلاق لفظ"الردة"على من استحقها؛ يصم القائل به بالغلو والإفراط والطيش وغير ذلك.
ومن هنا نبتت نابتة الإرجاء الجديدة العصرية، والتي تقمصت ثوب السلف - وما أبعدها عنه ومباينتها له - حتى وجد الطغاة المارقون ملاذهم تحت عباءتها الفضفاضة، التي تسع كل أحد ما لم يضع قلبه ويفك أضلع صدره ويضعها على سطح طاولة يراها الجميع عيانا بيانا بأنها قد انشرحت بالكفر، وإلا فليهنأ الجميع بالإسلام والإيمان، ولو كان أعتى الزنادقة المحادين لله ورسوله، وليبؤْ مخالف ذلك بسمة"الغلو"و"التكفير"و"التنفير".
حتى أصبحت بعض الحكومات المرتدة - كحكومة آل سعود - تُعد ميزانا لدى البعض في وصف المرء بالغلو من عدمه، بحسب موقفه منها، ولا ينفعه ولا يشفع لديه ما ينصب من الأدلة والبراهين في ذلك، بل ولا يعتد بخطئه لو كان مخطئًا، ولا يُنظر في تأوله لو كان متأولًا، ولا يعذر باجتهاده إن كان مجتهدًا، فهو مغال ... مغال، خارجي ... خارجي؛ رضي أم سخط.
وإنك لترى من ذلك العجب العجاب، فإذا بعضهم يصف الشيخ المجاهد أبا مصعب الزرقاوي بالغلو، وأنه عريق عتيق في هذا الموقف والوصف، والدليل على ذلك أنه كان يكفر حكومة آل سعود منذ أن كان في أفغانستان، وكأن صاحب التهمة قد قنص صيده ووجد ضالته وكشف ما كان خافيًا على الجميع، فعد ذلك برهانًا قاطعًا ودليلًا ساطعًا على إفراط الشيخ أبي مصعب وغلوه، مَثَله مثل الذي خالف قطعيًا من قطعيات الشرع، أو ناقض قاعدة من قواعده.
وإننا لنشهد الله فيما نعلم؛ أن القائد المجاهد أبا مصعب الزرقاوي حفظه الله مبرأ مما يقولون، بعيد عما به يُتهم من الغلو والتهور والاندفاع في التكفير، وليس مثله بمحتاج لمثل هذه الشهادة، وإنما جاء الكلام استرسالًا لما كثر اللغط وسهُل على الكثير رمي التهم جزافًا من غير تريث ولا تثبت ولا ورع.
وما عُرف أبو مصعب بين إخوانه؛ إلا أنه على خط أهل الهدى والحق، ذليل القلب لإخوانه عزيز على أعدائه.
بل سفه بعضهم وأسرف، فراح يتفنن في استحداث العبارات"الأدبية"، ليشتق له اسمًا من نسبة بلدته"الزرقاء"، فإذا هو يصلها بالأزارقة الخوارج المارقين، ليقول للناس؛ إنه منهم - وما هو منهم، ولكنهم قوم يعدلون عن الحق إلى ما سواه، وعن اليقين إلى الظِنة، ومن التثبت إلى رمي التهم الجزاف، ولا حول ولا قوة إلا بالله -
ولو كان الأمر كذلك، فما تقولون يا معاشر"المعتدلين"في الشيخ العلامة الإمام المجاهد حمود العقلاء رحمه الله؛ والذي كان يحكم على حكومة آل سعود بالردة - كما هو معلوم مشهور لدى القاصي والداني - أوَما دريتم أنه عُرض عليه الهجرة إلى أفغانستان ليكون بجانب المجاهدين زمن إمارة أفغانستان، فقال: (إني أتعرض للشهادة في هذا البلد) ، أتعدونه مغاليًا أيضًا؟ أم أن حكومة آل سعود قد صارت محنة؟ كما قيل في حق الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:
أضحى ابن حنبل محنة مأمونة
فاعلم بأن ستوره ستهتك ... فإذا رأيت لأحمد متنقصا
ومنه؛ أن الجهاد الذي دلت الأدلة القطعية ومجرى أحداث السيرة النبوية والتعريفات والأحكام الفقهية إلى تقسميه لجهاد طلب وجهاد دفع، ولم يزل المسلمون على ذلك عبر التاريخ قرنا بعد قرن، كل ذلك لم يقنع الانهزاميين العصرانيين ...
وأبوا إلأ أن يركبوا كل مذهب لإقناع"الغير"- والذين هم أعداء الإسلام - بأن الجهاد في الإسلام ليس إلا جهاد دفع ورد للعدوان والظلم، وهو ما يعبر عنه بالمصطلح العصري ب"المقاومة المشروعة"، والتي تقرها كل القوانين والأعراف والنظم والهيئات الدولية.
وكأننا ننتظر إقرارا منهم واعترافًا من منظماتهم، حتى يُصبغ بالشرعية ويستحق الاحترام والتقدير.
ولكن كما قال سبحانه: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] .
فنحن نعرف أن الجهاد هو تلك العبادة الباقية الماضية إلى يوم القيامة، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، بل لا يزال مستمرا ما بقي شرك على الأرض، سواء في ذلك الدفع والطلب، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] .
ومنه؛ أن أوثق عرى الإيمان، والتي هي"الموالاة في الله والمعاداة في الله"، وإعلان البراءة من الكفرة وآلهتهم، والمجاهرة بذلك، وضرب الروابط الجاهلية والآواصر الأرضية عرض الحائط، ونبذها ومنابذتها؛
يعد في عرف العصر المتحضر طريقًا لإثارة الفتن والحروب الأهلية وزعزعة الاستقرار.
وحل محل ذلك كله؛"وحدة المصير"و"الوحدة الوطنية"و"اتفاق المسار"و"أجواء الحوار"، فذابت كثير من الفوارق بين المسلم والكافر، واختلط الأمر في طبيعة العلاقة بين أهل الإيمان وأتباع الشيطان، وتداخلت الأحكام واختلت اختلالًا لا منتهى له، وهو مقتضى قول الله تعالى: {وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] .
وإذا ما تكلم المؤمن بحقائق أوثق عرى الإيمان، وفضح حقيقة تلك الأواصر التي بدأت تقوم مقامها، وبيَّن أن ذلك ما هو إلا"دعاوى الجاهلية"؛ انتصب له أهلوها فرموه عن قوس واحدة، متهمين إياه بالتعصب والجمود والخمود، وعدم مراعاة المصالح، وقلة الفقه في السياسة، وأنه يحمل فكرًا تفكيريًا.
ولست أدري لِمَ لم يراع أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام"المصلحة الوطنية"والقرابة الأبوية والوشيجة القبلية؟! بل أعلنها صرخة مدوية تهز أركان الشرك وتأتي بنيانه من قواعده، وبقي بعد ذلك قدوة لكل موحد وأسوة لكل مقتفٍ؛ {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] .
فهل يفهم الباحثون عن الحق؛ أن ثمة فرقًا شاسعا وبونًا واسعًا بين إحقاق الحق وتجليته وتنقيته من كل شائبة تشينه، وبين الغلو المذموم الذي يخرج بالمرء عن طوره، ويقحمه فيما نهاه الله عنه، فيفرقوا بينهما تفريقًا يزيل اللبس ويرفع الإشكال، حتى لا نقع فيما وقع فيه أهل الكتاب، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] ، فنزل كما زلوا ونضل كما ضلوا.
كتبه؛ حسن قائد، أبو يحيى
25/محرم/1427 هجري