النوع الثاني؛ هو التحول الشرعي من النظام الحاكم، من حالة التعامل معه على أساس عدم الإقرار بالشرعية إلى الإقرار بالشرعية. وتفاوت هذا التحول من مجرد إقرار ضمني يُستقرأ استقراء إلى تصريح بطاعة الحاكم والسعي علنا لترسيخ شرعيته. ومثل النوع السابق؛ آتت هذه التجرية مفعولا معاكسا عند البعض بعد أن رأى النظام يحارب الإسلاميين صراحة فتحولت شكوكه في شرعية النظام إلى يقين بعدم الشرعية، بل في بعض الحالات إلى تكفير لآحاد أفراده.
التحول الفكري العام:
النوع الثالث؛ هو التحول الفكري العام، وهذا كان أكثر مظاهر التحول تعقيدا لأنه لم يتأثر بمحنة حصلت من السلطة فقط بل كان مرتبطا بعوامل ومتغيرات كثيرة أشرنا إليها أعلاه، وأهمها العولمة وثورة الاتصالات ونشاط الحركة الجهادية وأدبيات"المعارضة"الخارجية. وربما يمكن رصد ثلاث أشكال من التحولات الفكرية:
الشكل الأول للتحول الفكري؛ هو توسيع الأفق والعودة إلى معرفة قواعد الدين على أساس منهجي بدلا من القوالب الجامدة، وذلك من خلال التأثر بالحوار"الجبري"الذي تفرضه هذه التحديات الكبيرة. هذا التحول حصل عند جمهور من القيادات والكوادر سواء من خلال الاحتكاك في السجن بنماذج أخرى لديها هذا النضج في النظرة المنهجية أو من خلال الطرح القوي للآراء الأخرى في وسائل الإعلام ووسائط الاتصال أو من خلال الأطروحات المثيرة التي تطرحها جهات تشد انتباه الناس مثل أطروحات"المعارضة"أو التيارات الجهادية أو حتى أطروحات التيارات"الليبرالية الإسلامية". هذا التحول - لا شك - تحول صحي ولم يحصل إلا مع الشخصيات المتماسكة نفسيا وتربويا وقوية في بناء الشخصية، ولم يصاحب هذا التحول أي تنازل في قضايا شرعية أو حركية أو منهجية.
الشكل الثاني للتحول الفكري؛ هو أنكفاء فكري فرضته الهزيمة النفسية - التي أشرنا إليها سابقا - حيث عاش المفكر أو المثقف أو طالب العلم هاجس الهزيمة أو هاجس قوة النظام لدرجة جعلته يعيد تأسيس منهجيته الفكرية عليها. وهذا النوع من التحول مباشر وبسيط وليس فيه تعقيد، ملخصه؛ أن يقرر هذا المفكر أو طالب العلم أن يختزل المشروع الإسلامي في دور أكاديمي نظري بحت أو مشروع دعوي سلوكي فقط هروبا من القضايا المحرجة. أما ما قد يترتب عليه إغضاب للنظام مثل النشاط الحركي والعمل الاجتماعي والسياسي فيصبح لديه المقدرة الفائقة في تنظير الابتعاد عنه.
الشكل الثالث للتحول الفكري؛ يعد أكثر النماذج تعقيدا وهو خليط من النماذج السابقة وربما لا نخطئ إن قلنا أن أبرز الشخصيات التي وقعت على الخطاب ابتليت به. يصاب المثقف أو طالب العلم بالهزيمة النفسية لكنه لا يريد أن يعترف بها، ويصاب بعقدة ضخامة الخصم - الذي هو النظام - لكنه لا يريد أن يعترف برعبه من النظام. وأمام هذا التحدي لا يريد هذا الشخص أن يتعامل مع هذه المسألة تعامل الإنكفاء - مثل النموذج السابق - كما لا يريد أن يظهر بمظهر المهزوم الذي انقلب فكريا - كما في أحد النماذج أعلاه - من جهة أخرى عاش هؤلاء خلال نفس فترة المحنة تجربة الانفتاح الفكري واكتشفوا رحابة الإسلام ومرونته واتساعه مقابل جمود وقولبية التجربة التي كانوا فيها.
كما اكتشف هؤلاء من خلال انفتاحهم الفكري توطن أمراض فكرية واجتماعية في الأمة فوجدوا ضالتهم، الضالة التي تريحهم من مواجهة النظام وتريحهم من الاعتراف بالهزيمة؛ نعم مشكلتنا ليست في النظام بل هي في المجتمع المليئ بالأمراض المنهجية والفكرية. ومن هنا انطلق هؤلاء انطلاقة باندفاع كبير للتنظير لمسالة التأكيد على علاج الأمراض الفكرية والمنهجية في المجتمع كضرورة لأي إصلاح سياسي. لذلك بدلا من أن يكون هذا الانفتاح شاملا ومنهجيا منضبطا أصبح انفتاحا مصابا بمشكلتين عويصتين:
الأولى؛ أنه انفتاح موجه ومقصود لحرف عملية النشاط الفكري بعيدا عن شؤون السياسة وإكثار الكلام عن القضايا الاجتماعية والتربوية العامة والأمراض الفكرية.
الثانية؛ أنه انفتاح ضخمت فيه المفاهيم التي يزعم أنها تعني الانفتاح الفكري حتى تؤدي مهمة التعويض عن الحديث عن السياسة. ومن هنا جاءت المبالغة في طرح مسائل مثل"الحوار"و"الرأي الآخر"وإكثار الحديث عن مظاهر الجمود الفكري والمظاهر الاجتماعية الملحقة بالدين. وتؤدي هذه المبالغة - عن غير قصد - إلى تخلي عن المباديء بزعم المنهجية، مع أن المنهجية يستحيل أن تحصل إلا بثبات المبدأ.
وأرجو أن لا يغضب مني البعض إن قلت؛ أن الكلام الأخير يبين التسلسل الفكري والنفسي الذي أدى إلى تكوين ظاهرة"الوسطية"التي وطأت لخروج بيان أخرق هزيل ركيك مثل بيان المثقفين.