سبيلًا (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، على أنه لا بد من استيفاء أسبابه وتحقيق شروطه، وأن يتم النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم).
والفقرة الثانية أوردوا كلامًا للعز بن عبد السلام لتأكيد التخذيل للأمة فقالوا (وقد ذكر العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام(95) : "أن أي قتال للكفار لا يتحقق به نكاية بالعدو فإنه يجب تركه؛ لأن المخاطرة بالنفوس إنما جازت لما فيها من مصلحة إعزاز الدين، والنكاية بالمشركين، فإذا لم يحصل ذلك وجب ترك القتال لما فيه من فوات النفوس وشفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، وبذا صار مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة").
ونناقش الفقرتين بقولنا:
إن من المتفق عليه عند أهل العلم قاطبة، أن الجهاد نوعان: جهاد دفع وجهاد طلب، وعلماء الإسلام يفرقون في كلامهم بين النوعين، إذ أن كل نوع من نوعي الجهاد يختص بأحكام دون الآخر، ولم يُعرف عن الأئمة المحققين أنهم خلطوا بين النوعين في الأحكام، ومن خلط بينهما فلا تحقيق عنده ولا تدقيق نسأل الله لنا وله الفقه في الدين.
ومن المؤسف أن ينتزع طالب العلم مسألة أو حكمًا مختصًا بجهاد الطلب ثم ينزله على جهاد الدفع! والكلام الآنف في فقرته الأولى كلام بعضه حق إلا أنه يختص بجهاد الطلب لا الدفع، وجهادنا اليوم هو من جهاد الدفع.
فقولهم أن الجهاد ماض إلى قيام الساعة صحيح ولا إشكال فيه، ولكن قولهم (على أنه لا بد من استيفاء أسبابه وتحقيق شروطه، وأن يتم النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم) كلام لا ينطبق على جهاد الأمة اليوم.
لأن جهاد الدفع لا يشترط له شروط جهاد الطلب، فكل شروط جهاد الطلب تسقط في حال جهاد الدفع - أي إذا داهم العدو بلاد المسلمين -، وإليك نقولات تدل على سقوط الشروط بالإجماع:
قال الكاساني في بدائع الصنائع 7/ 97 "فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين يُفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه لقوله سبحانه وتعالى (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) ، قيل: نزلت في النفير، وقوله سبحانه وتعالى (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) ، ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت، لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضًا على الكل عينًا بمنزلة الصوم والصلاة فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها، لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينًا مستثناه عن ملك المولى والزوج شرعًا، كما في الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه، لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة والله سبحانه وتعالى أعلم".
قال القرطبي في تفسيره 8/ 151 "إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعُقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مُقل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم، كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم، لزمه أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون