فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 295

فدل كلام شيخ الإسلام هنا على أن مسألة التولي معلقة بجهاد الطلب وليس الدفع، فإن كان الجهاد جهاد دفع فقد قال لا يجوز الانصراف بحال، ويحمل عليه جميع كلام العلماء في هذا الباب.

قال ابن قدامه في المغني 9/ 309: "وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر، فالأولى الثبات لما في ذلك من المصلحة، وإن انصرفوا جاز لأنهم لا يأمنون العطب، والحكم علق على مظنته، وهو كونهم أقل من نصف عدوهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف، وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه، ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر لما فيه من المصلحة، وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والنجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز لأن لهم غرضًا في الشهادة ويجوز أن يغلبوا أيضًا، وإن غلب على ظنهم الهلاك في الانصراف والإقامة، فالأولى لهم الثبات لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين فيكونون أفضل من المولين ولأنه يجوز أن يغلِبوا أيضًا".

وجاء في مغني المحتاج 4/ 219 قول الخطيب الشربيني عن حديثه عن هجوم الكفار على بلد مسلم بغتة: ... وإلا بأن لم يمكن أهل البلدة التأهب لقتال بأن هجم الكفار عليهم بغتة، فمن قُصد من المكلفين ولو عبدًا أو امرأةً أو مريضًا أو نحوه، دفع عن نفسه الكفار بالممكن له إن علم أنه إن أُخذ قُتل، وإن جوّز المكلف لنفسه الأسر كان الأمر يحتمل الخلاف، هذا إن علم أنه إن امتنع من الاستسلام قُتل وإلا امتنع عليه الاستسلام.

قال السيوطي في شرح السير الكبير 1/ 125: لا بأس بالانهزام إذا أتى المسلم من العدو ما لايطيقه، ولا بأس بالصبر أيضًا بخلاف ما يقوله بعض الناس إنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، بل في هذا تحقيق بذل النفس في سبيل الله تعالى، فقد فعله غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم، منهم عاصم بن ثابت رضي الله عنه حمي الدبر - أي الذي حمته الدبابير -، وأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فعلمنا أنه لا بأس به.

ولنا وقفات أخرى بإذن الله تعالى مع بقية المسائل التي عرضوا لها وتجاوزوا في الألفاظ الشرعية، وأطلقوا القول فيها دون دليل، وليس الهدف من ردنا إلا بيان الحق وأن كل من زعم زعمًا لا يقبل منه حتى يدلل عليه من الكتاب والسنة، والله تعالى أعلم فما كان من صواب فمن الله تعالى وما كان من خطأ فمن أنفسنا والشيطان، نسأل الله تعالى أن يعفوا عنا وعن إخواننا الذين سبقونا بالإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت