إننا إذا اعتبرنا كلمة الله هي الحق - وهي كذلك ولا شك - لم يكن لنا أن نحسب حسابًا لأثر المواجهة مع كائن من كان، وليس بفرض لازم كسب أولئك الناكبين عن جادة الطريق ومحاولة إقناع أنفسنا أن بيننا وبينهم أرضيات مشتركة يمكن أن نلتقي وإياهم في منتصف الطريق أو آخره.
لست أوجه الحديث إلى من لا يؤمن بديننا وإنما إلى المسلمين الذين لا يقيمون ما انزل إليهم من ربهم كما أمر، حكامًا ومحكومين، علماء ومتعلمين، دعاة ومدعويين، مفكرين ومُفكرٌ عنهم، فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة لا تفيد إسلاما ولا تعطي صاحبها إيمانًا، وليس لصاحبها صفة التدين في أي شريعة كانت.
إن الدين عند الله الإسلام نطقًا واعتقادًا وعملًا، فلا يكون الدين راية ولا شعارًا ولا وراثةً ولا غير ذلك من شعارات كاذبة، بل هو حقيقة تتمثل في الإعتقاد والعمل والقول.
هذه حقيقة يغفل عنها كثير من دعاة الفكر الأنثوي المحسوبين على الصف الإسلامي، إنهم يغفلون أنهم وفكرهم ما قاموا بشيء وما بلغوا شيئًا يذكر، بل ولا معشار ما بلغ من كان قبلهم، إذ لا يكون تبليغ الدعوة وإقامة الحجة على المدعو إلا إذا بلغناه حقيقة الدعوة كاملة غير منقوصة، ولا بد من أن يصف الداعية إلى الله ما هم عليه من خلل وتقصير وصفًا كاملًا كما هو في حقيقته بعيدًا عن المجاملة والمداهنة، ونائيًا بنفسه عن الدخول في متاهة المصالح الموهمة التي لم يعتبرها الشرع والتي لا وجود لها إلا في ذهنه.
إن النأي عن الكتاب والسنة وتسريح العقول في مجال الدعوة الحاصل من أصحاب"الأنوثة الفكرية"وإحجامهم عن منهج السلف في التبليغ هو في الإسلام، لا يعبر إلا عن خداع ومخادعة من يدعى إلى دين الله، بل أذية للمدعو ما بعدها أذية، لأنهم لم يعرفوه حقيقة الدعوة المطلوبة منه، فيفاجأ بعد ردح من الزمن أنه يكفر وأن دمه وماله حلال للإسلام والمسلمين، ناهيك أن الداعية لم يبلغ ما أمر الله به {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ، بلغ ما انزل إليك لا ما استحسنه عقلك يا من تدعو إلى الله بزعمك.
وهذا التبليغ المطلوب منا لا بد أن يكون على ضوء {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين َ} ، وإن لم يكن كذلك فلا بلاغ إذًا وإنما خداع لأنفسنا يذكرني بطائر النعام.
الأنوثة الفكرية: