استجاب سلمان العودة لذلك المنع، ولكن ليس بالأسلوب الذي يعجب آل سعود، حيث كان في بعض الأحيان يستقبل الناس في مكتبته ويلقي عليهم المحاضرات، تداول الناس مجموعة من الأشرطة سميت بأحاديث الربيع، لأن إلقاءها كان في إجازة الربيع، وفد إلى سلمان اتصال من أمريكا أجاب فيه على الأسئلة، كان ذلك الاتصال مسجلًا وتداوله الناس، وفي إجازة الصيف من عام 1415هـ كثر إلقاؤه للمحاضرات في بيته، وكان من أبرزها محاضرة بعنوان (الكلمة الحرة ضمان) كانت ردًا على من اعترضوا على جرأته في طرحه.
كنا حينها نرى في سلمان العودة نموذجًا للعالم الذي لا يقبل السكوت عن قول الحق، والعالم الذي لا يخاف في الله لومة لائم، والعالم الذي يضحي لأجل دينه مهما كان الثمن.
نفسية آل سعود ونايف بشكل خاص لم تكن تستطيع الصبر على هذا النوع من الجرأة، فلا بد إذًا من أسلوب قمعي تقف عنده هذه الجرأة، استدعي سلمان إلى الإمارة فرفض الذهاب، ثم اضطر إلى الاستجابة بعدما أتوا بقواتهم، رائيًا المصلحة في عدم المواجهة، ذهب وذهب معه خلق كثير، أحاطوا بسيارته رافضين أن يدخل الإمارة بمفرده، ولما تم إدخاله بمفرده اقتلع الناس باب الإمارة، استدعيت فرق الشغب وكانت قريبة، ليحول بين الفريقين صلاة المغرب، وبعد صلاة المغرب تم التفاوض على أن يدخل سلمان مبنى الإمارة منفردًا، ويبقى مرافقوه داخل سور الإمارة خارج مبناها، وكان ذلك بالفعل، ليخرج سلمان بعد أذان العشاء متوجها بمن معه إلى المسجد المجاور لبيته، ليجد جمعًا من الناس كان بانتظاره، فيهم من فيهم من المشايخ.
تكلم سلمان ليشرح للناس ما حدث، ولكن قبل ذلك ألقى كلمة يسيرة ذكر فيها أنه ليس أهلًا لهذا الحشد، وهذا الوقوف من الناس معه، وفهمت -كما فهم غيري- ما قد يكون غير مراد، من الإشادة بوقوف من وقف معه، وذلك عندما ذكر شيخ الإسلام، ثم خاطب الذين شهدوا جنازته قائلا: أين أنتم عندما سجن؟.
بعد ذلك ذكر ما حدث، وكان موجزه أنه طلب منه التوقيع على ألا يمارس أي نشاط في أي زمان أو مكان، وإلا سيتعرض للجزاء الرادع، وذكر أنه امتنع عن التوقيع، وأنه سيتعرض للجزاء الرادع وهو السجن غدًا أو بعد غد، وفي أثناء كلمته تلك أبدى أسفه لأنه لم يدخل السجن إلا مرة واحدة قبل سنوات، واعظًا ليس غير.