ولا شكّ أن عمر قَطع إعطاء المؤلّفة قلوبهم مع أنّ صنفهم لا يزال موجودًا، رأى أنّ الله أغنى دين الإسلام بكثرة أتْباعه فلا مصلحة للإسلام في دفع أموال المسلمين لتأليف قلوب من لم يتمكّن الإسلام من قلوبهم.
ومِن العلماء من جعل فعل عمر وسكوتَ الصحابة عليه إجماعًا سكوتيًا , فجعلوا ذلك ناسخًا لبعض هذه الآية وهو من النسخ بالإجماع، وفي عدّ الإجماع السكوتي في قوة الإجماع القولي نزاع بين أئمّة الأصول وفي هذا البناء نظر، كما علمت آنفًا.
وقال كثير من العلماء: هم باقون إذا وُجدوا فإنّ ربما احتاج إلى أن يستألف على الإسلام، وبه قال الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واختاره عبد الوهاب، وابن العربي، من المالكية قال ابن العربي: الصحيح عندي أنّه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا" [1] ."
ومما تقدم نجد ابن عاشور ذكر الأقوال ولم يرجح، وذلك يدلنا على أن هذه القاعدة موجودة عنده ويعمل بها إذا كان الإجماع يستند إلى أصل شرعي , أما إذا لم يكن له أصل شرعي فإنه يتوقف فيه وفي ذلك يقول:"وهي مسألة غريبة لأنّها مبنية على جواز النسخ بدليل العَقْل وقياس الاستنباط أي دون وجود أصل يقاس عليه نظيره وفي كونها مبنيّة على هذا الأصل نظر" [2] .
ورجح الطبري وابن عطية، والرازي وجودهم إلى اليوم [3] .
(1) التحرير والتنوير، ج 6، ص 239.
(2) التحرير والتنوير، ج 6، ص 238.
(3) انظر جامع البيان / الطبري، ج 10، ص 185، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 49، والتفسير الكبير / الرازي، ج 6، ص 86.